تونس 37°C

10 جويلية 2026

تونس 38°C

10 جويلية 2026

جنازة خامنئي … حين يتحول الوداع إلى مسرح لإعادة إنتاج السلطة.

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في الأنظمة التي تستند إلى الشرعية الثورية ، لا تكون الجنازات مجرد وداع أخير لقائد راحل ، بل تتحول إلى لحظة سياسية بامتياز ، يُعاد فيها إنتاج السلطة بقدر ما يُشيَّع صاحبها . فحين يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالدولة لعقود ، تصبح مراسم التشييع جزءا من معركة على الذاكرة ، وعلى الرواية ، وعلى الصورة التي يراد لها أن تبقى بعد رحيله .
من هذا المنطلق ، لا يمكن النظر إلى جنازة علي خامنئي باعتبارها مناسبة دينية أو وطنية فحسب ، بل بوصفها حدثا سياسيا بالغ الدلالة ، سعت السلطة من خلاله إلى ترميم صورتها بعد واحدة من أقسى الضربات التي تعرضت لها منذ قيام الجمهورية الإسلامية .
لقد شكّل مقتل خامنئي داخل مقر إقامته الرسمي ، وفي قلب المؤسسة الحاكمة ، زلزالا سياسيا وأمنيا غير مسبوق .
فالرجل الذي ظل لعقود رمزا لاستمرارية النظام وهيبته ، انتهت حياته في مشهد هز الصورة التي عملت الدولة طويلا على ترسيخها ، باعتبارها دولة منيعة على الاختراق . ومنذ تلك اللحظة ، لم تعد المواجهة مقتصرة على الرد العسكري ، بل امتدت إلى معركة أخرى لا تقل أهمية : معركة السيطرة على تفسير ما حدث ، وعلى الكيفية التي سيُكتب بها في الذاكرة الجماعية .
وكانت الجنازة أولى ساحات هذه المواجهة ، وأول اختبار فعلي للجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد خامنئي .
فلم يكن المطلوب مجرد دفن المرشد ، بل إثبات أن غيابه لم يحدث فراغا في السلطة ، ولم يُصِب مؤسسات الدولة بالشلل ، وأن النظام ما يزال قادرا على الإمساك بالمشهد العام ، وإظهار نفسه متماسكا رغم الضربة التي أصابت قلبه .
لهذا لم يكن الإخراج الدقيق لمراسم التشييع مجرد تفصيل بروتوكولي ، بل كان جزءا من الرسالة السياسية ذاتها .
نعش يلفه العلم الإيراني ، صلوات جماعية ، مواكب حاشدة ، حضور رسمي واسع، أناشيد دينية ، وبث إعلامي متواصل … عناصر صيغت بعناية لتؤكد رسالة واحدة : الدولة ما تزال واقفة ، والنظام لا يزال قادرا على الحشد وإظهار القوة .
غير أن هذه الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني وحده ، بل إلى الخارج أيضا. فكل صورة لحشود غفيرة أرادت أن تقول إن مقتل رأس النظام لم يؤدّ إلى انهيار الدولة أو فقدان السيطرة عليها .
لكن هذه الصورة لا يمكن فصلها عن الوسائل التي صنعتها ، من تعبئة مؤسسات الدولة ، وتجنيد شبكات الباسيج ، وتنظيم وسائل النقل ، وإعلان العطل الرسمية ، والاستنفار الإعلامي ، وصولا إلى الضغوط الإدارية التي كثيرا ما ترافق مثل هذه المناسبات .
لذلك يصعب اعتبار حجم الحشود ، في مثل هذا السياق ، دليلا قاطعا على التأييد الشعبي .
فالمشهد يعكس ، بقدر ما يعكس مشاعر بعض المشاركين ، قدرة الدولة على هندسة الحضور وصناعة الصورة الجماهيرية التي تخدم روايتها الرسمية .
فبين الخوف ، والواجب الوظيفي ، والمصلحة ، والعادة ، والاقتناع الحقيقي ، تتعدد دوافع المشاركة ، بينما يقدمها الخطاب الرسمي باعتبارها تعبيرا خالصًا عن الولاء .
وتتضاعف دلالة المشهد إذا ما أُخذ في الاعتبار تزامنه مع شهر محرم ، الأكثر حضورًا في الوجدان الشيعي .
فقد منح هذا التوقيت السلطة فرصة لتغليف الحدث برمزية عاشوراء ، وربط وفاة خامنئي بمعاني الشهادة والتضحية ومقاومة الظلم ، لينتقل الخطاب الرسمي من الحديث عن وفاة قائد سياسي إلى صناعة صورة “ الشهيد ” الذي سقط في مواجهة “ العدو ”.
وهنا تتجلى إحدى أكثر أدوات الدعاية السياسية فاعلية : إعادة تأطير الحدث .
فبدل أن تتجه الأنظار إلى الاختراق الأمني الذي سمح بوصول الضربة إلى أعلى هرم السلطة ، يُعاد توجيه الاهتمام نحو مشهد جنائزي مهيب ، تغمره الرايات والصلوات والمشاعر الدينية ، بحيث تطغى الصورة على الأسئلة ، ويغدو الحداد وسيلة لحجب الإخفاق ، لا مجرد تعبير عن الفقد .
وفي السياق ذاته ، يعمل الخطاب الرسمي على إعادة تشكيل صورة خامنئي في الذاكرة العامة .
فبدل أن يبقى الجدل قائما حول إرثه السياسي ، وما ارتبط به من تشديد القبضة الأمنية ، وقمع المعارضين ، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، يُعاد تقديمه باعتباره شهيدا سقط دفاعا عن الوطن .
إنها عملية إعادة كتابة للذاكرة ، تُستبدل فيها صورة الحاكم بصورة الضحية ، وتُستخدم فيها الرموز الدينية لإعادة إنتاج الشرعية السياسية .
لكن المفارقة اللافتة أن السلطة ، كلما بالغت في استعراض القوة ، كشفت من حيث لا تريد عن حجم قلقها .
فالدولة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج عادة إلى هذا القدر من الحشد والتنظيم والإنفاق والدعاية كي تثبت أنها ما تزال قائمة .
وكلما تضخمت الطقوس، بدا وكأنها تعوض نقصا في الثقة أكثر مما تعكس وفرة في التأييد .
وهنا تبرز الأسئلة التي يصعب تجاوزها : إذا كانت الشرعية راسخة ، فلماذا كل هذا الاستنفار ؟ .
وإذا كان الالتفاف الشعبي طبيعيا ، فلماذا كل هذا الجهد لتوجيه المشهد وإدارته ؟ .
وإذا كان الإرث السياسي يحظى بإجماع حقيقي ، فلماذا يصبح الإخراج الإعلامي عنصرا أساسيا في تثبيت صورته؟ .
لهذا تبدو جنازة خامنئي أكثر من مجرد مراسم وداع .
إنها محاولة لإعادة إنتاج السلطة عبر الرمز ، واستعادة الهيبة عبر الصورة ، وتعويض تآكل الشرعية بالاستعراض الجماهيري .
إنها لحظة يوظَّف فيها الحداد لإعادة بناء السردية الرسمية ، وتُسخَّر فيها الرموز الدينية لتثبيت تماسك نظام يواجه واحدة من أكثر مراحله حساسية .
ويبقى السؤال الذي لا تستطيع أي مراسم ، مهما بلغت ضخامتها، أن تلغيه : هل يمكن للجنازات أن تعيد إنتاج الشرعية ؟، أم أنها تؤجل فقط مواجهة الأسئلة التي تفرضها الوقائع ؟ .
ففي السياسة ، قد تنجح البروباغندا في صناعة المشهد ، لكنها لا تستطيع ، مهما بلغت براعتها ، أن تصنع القناعة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية