ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في الاحداث الرياضية ، و البطولات الكبرى ، لا تكفي العدالة وحدها ، بل يجب أن تُرى وتُحس وتُقنع الجميع .
فالمنافسات العالمية لا تدار بالقوانين واللوائح فحسب ، وإنما تدار أيضا برأس مال لا يقل أهمية عنها : و هو الثقة .
فالجماهير لا تريد فقط أن يكون القرار صائبا و صحيحا ، بل تريد أن تطمئن إلى أن الطريق إلى الفوز كان نزيها ، وأن الكأس لا تُحسم إلا بما يُقدَّم فوق المستطيل الأخضر .
ومن هذا المنطلق ، يمكن فهم الجدل الذي رافق الإعلان عن تعيين طاقم تحكيم أرجنتيني بالكامل لإدارة مباراة المغرب و فرنسا في ربع نهائي كأس العالم .
وليس المقصود هنا التشكيك في نزاهة الحكام أو المساس بكفاءتهم و مصداقيتهم ، فالأصل في الحكم الاحتراف والاستقلالية ، ولا يجوز إطلاق الأحكام على النوايا دون دليل .
غير أن المؤسسات الرياضية الكبرى لا تُقاس فقط بحسن اختياراتها ، بل أيضا بقدرتها على تجنيب نفسها كل ما قد يثير الشبهات أو يفتح باب التأويل .
وفي علوم الإدارة والقانون ، يبرز مفهوم “ تضارب المصالح الظاهر ” ، وهو مفهوم لا يفترض وجود فساد أو انحياز ، وإنما يشير إلى الحالات التي قد تمنح الرأي العام سببا للتساؤل حول حياد القرار ، حتى وإن كان القرار سليما من الناحية القانونية والفنية .
ولهذا تحرص المؤسسات المحترفة على تجنب كل ما قد يمس بصورة النزاهة ، لأن الحفاظ على الثقة لا يقل أهمية عن تحقيق العدالة نفسها .
وفي سياق هذه البطولة ، كانت فرنسا طرفا مباشرا في المباراة ، وكان المغرب طرفا مباشرا كذلك ، بينما تمثل الأرجنتين أحد أبرز المنتخبات المنافسة على اللقب ، وتحمل في ذاكرتها الرياضية مواجهة تاريخية مع فرنسا . لذلك بدا تعيين طاقم تحكيم كامل من جنسية واحدة في مباراة بهذه الحساسية قرارا قابلا لإثارة التساؤلات ، حتى وإن لم يكن يشوبه أي خلل قانوني أو فني .
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر في ظل الجدل الذي شهدته البطولة حول بعض القرارات التحكيمية وآلية استخدام تقنية الفيديو ، وما أثارته بعض المباريات من اعتراضات وانتقادات بشأن توحيد المعايير وشفافية القرارات .
ففي بطولة بحجم كأس العالم ، لا يبقى القرار التحكيمي داخل حدود الملعب ، بل يتحول في لحظات إلى قضية رأي عام يتابعها الملايين .
ومن هنا تتعاظم مسؤولية الاتحاد الدولي لكرة القدم “ فيفا ”.
فالمطلوب تحديدا ، ليس فقط اختيار حكام يتمتعون بالكفاءة ، بل أيضا اتخاذ قرارات تعزز الثقة في البطولة وتحمي صورتها أمام العالم . فالمؤسسة الناجحة لا تكتفي بأن تكون عادلة ، بل تحرص على أن تبدو عادلة في نظر الجميع .
ولا يعني ذلك ، بأي حال ، وجود فساد أو انحياز ، كما لا يجوز توجيه مثل هذه الاتهامات دون أدلة قاطعة .
لكن التجارب علمتنا أن الشك ، في البطولات العالمية ، قد تكون له تكلفة كبيرة بقدر الخطأ نفسه .
فالخطأ التحكيمي قد تمحوه الأيام ، أما اهتزاز الثقة فيبقى أثره طويلا جدا في ذاكرة الجماهير ، ويُضعف مصداقية المنافسة مهما بلغت جودتها.
إن ما ينتظره عشاق كرة القدم هو أن تكون مواجهة المغرب وفرنسا مباراة تُحسم بالموهبة والانضباط والتكتيك والشجاعة ، لا بالجدل الذي يسبق صافرة البداية .
وأن يكون الحكم عنصرا يضمن سلامة المنافسة ، لا عنوانا للجدل و للنقاش قبل انطلاقها ، وأن تتحول تقنية الفيديو إلى وسيلة لترسيخ العدالة ، لا إلى مصدر جديد للشك و للريبة والانقسام.
فكأس العالم لا يصنعه اللاعبون وحدهم ، ولا الملاعب المبهرة ، ولا الجماهير الصاخبة ، بل تصنعه قبل كل شيء الثقة في عدالة المنافسة .
وعندما تهتز هذه الثقة ، لا يخسر فريق بعينه ، بل تخسر اللعبة نفسها ، ويخسر الفائز قبل المهزوم ، والمنظم قبل المتفرج .
لأن أعظم انتصار في كرة القدم ليس أن يرفع منتخبٌ الكأس فحسب ، بل أن يقتنع العالم كله بأنه احق بها و قد رفعها لانه الافضل و الأجدر بها فعلا ، و أن العدالة هي المنتصرة في النهاية .

