ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في السياسة ، لا تُقاس النوايا بما يُقال في قاعات الاستقبال ، بل بما يحدث في الميدان . وقد بدت مشاركة المملكة العربية السعودية ودولة قطر بوفود رفيعة المستوى في مراسم العزاء الإيرانية وكأنها تعكس رغبة خليجية صادقة في الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة ، وترسيخ قناعة مفادها أن الجغرافيا تفرض حسن الجوار ، وأن الحوار ، مهما تعقدت الخلافات ، يظل أقل كلفة من المواجهة .
لكن المشهد لم يكد يكتمل حتى جاء استهداف ناقلتين في مضيق هرمز ، (وديان ) سعودية و(الركيات) قطرية ، ليعيد إلى الواجهة سؤالا يتكرر مع كل أزمة إقليمية : لماذا تبدو دول الخليج ، في كل مرة ، أول من يتحمل كلفة الصراع ، رغم أنها ليست الطرف الذي يشعل فتيله ؟.
فإذا صحت الروايات التي تربط هذه العملية بإيران أو بأحد حلفائها ، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد حادثة أمنية معزولة ، بل يكشف عن إشكالية أعمق في طبيعة إدارة الصراع داخل المنطقة .
فمنذ سنوات ، يتحول الخليج ، كلما تصاعد التوتر بين طهران وخصومها ، إلى ساحة تُبعث عبرها الرسائل السياسية والعسكرية ، وكأن أمنه واستقراره أصبحا جزءا من أدوات التفاوض غير المباشر .
وهنا تكمن المفارقة . فالدول الخليجية كانت، خلال الأعوام الأخيرة ، الأكثر سعيا إلى خفض التوتر .
السعودية أعادت فتح صفحة الحوار مع إيران بعد سنوات من القطيعة ، وفضّلت منطق التسويات على منطق الاستنزاف ، بينما واصلت قطر انتهاج سياسة الانفتاح والوساطة ، محاولة تقريب وجهات النظر في أكثر من ملف إقليمي .
ولم يكن هذا الخيار تعبيرا عن ضعف ، بل عن إدراك بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على دوامة الصراعات المفتوحة .
غير أن الدبلوماسية ، مهما بلغت حكمتها ، تفقد كثيرا من قيمتها عندما تبقى المصالح الاقتصادية وأمن الملاحة عرضة للاهتزاز مع كل موجة تصعيد .
فلا يمكن الحديث عن بناء الثقة بينما تتحول السفن التجارية وناقلات الطاقة إلى أهداف محتملة ، ويصبح مضيق هرمز ، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي ، رهينة للتجاذبات السياسية والعسكرية .
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : إذا كانت المواجهة الحقيقية ، كما تعلن إيران ، موجهة ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل ، فلماذا تبدو المصالح الخليجية هي الأكثر تعرضًا للخطر؟ ولماذا تتحول الممرات البحرية لدول الجوار إلى مسرح لإرسال الرسائل ، بينما تبقى ساحات أخرى خارج دائرة الاستهداف؟ .
إن هذا التناقض يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الحسابات التي تحكم إدارة الصراع .
فالرسائل التي تُوجَّه عبر استهداف المصالح الخليجية لا تُضعف الخصوم بقدر ما تُقوض الثقة بين إيران وجوارها العربي ، وتُربك الدول التي اختارت طريق الحوار بدل الاصطفاف ، وتُهدد فرص بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقرارا .
ولعل أخطر ما في الأمر أن تكرار مثل هذه الحوادث لا ينعكس على أمن الخليج وحده ، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره .
فكل اضطراب في مضيق هرمز يعني ارتفاعًا في منسوب القلق داخل أسواق الطاقة ، وتراجعا في الثقة بأمن خطوط الملاحة الدولية، وهو ما يجعل أي تصعيد هناك قضية تتجاوز حدود الإقليم .
إن بناء الثقة لا يبدأ بالمصافحات ولا بالصور البروتوكولية ، بل باحترام أمن الجوار ، وصون مصالحه ، والامتناع عن تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات . فلا معنى لحسن الجوار إذا كانت مصالح الجار هي أول ما يُستهدف عند اشتداد الأزمات ، ولا قيمة لأي تقارب سياسي إذا بقي الأمن رهينا لمنطق الرسائل بالنار .
لقد أثبتت دول الخليج ، في أكثر من محطة ، أنها ليست معنية بإشعال الحروب ، بل كانت الأكثر حرصا على احتواء الأزمات وتغليب لغة العقل .
غير أن هذا الحرص لا ينبغي أن يتحول إلى ثمن دائم تدفعه وحدها .
فالسلام الحقيقي لا يقوم على المجاملات الدبلوماسية ، وإنما على التزام متبادل باحترام سيادة الدول ، وحماية أمنها ، وتجنيبها أن تكون صندوق بريد تُرسل عبره رسائل الصراع .
فالمنطقة اليوم لا تحتاج إلى رسائل جديدة بالنار ، بل إلى شجاعة سياسية تضع حدا لدائرة التصعيد ، وتؤسس لعلاقات تُبنى على الثقة والاحترام المتبادل ، لا على استثمار الجغرافيا في إدارة الأزمات .

