بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في هذا العالم الذي تتسارع فيه الانقسامات وتتزايد فيه الضوضاء السياسية والثقافية ، تبرز المتاحف اليوم بوصفها أكثر من مجرد فضاءات لحفظ الذاكرة أو عرض المقتنيات التاريخية ، إنها مساحات إنسانية قادرة على ترميم ما تصدّع بين البشر ، وإعادة بناء جسور الحوار والتفاهم بين الثقافات والشعوب .
في هذا السياق، أكدت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف الموافق لـ18 مايو، أن المتاحف أصبحت تؤدي دورا إنسانيا وحضارياً يتجاوز حدود التوثيق والعرض، مشيرة إلى أن شعار هذا العام ” المتاحف توحّد عالماً منقسما” لا يُمثل مجرد عنوان احتفالي ، بل يعكس حقيقة عالمية باتت تفرض نفسها بقوة في ظل ما يشهده العالم من توترات واستقطابات .
ترى سموها أن المتاحف تمنح الإنسانية فرصة نادرة للتأمل في اختلافاتها ، لا باعتبارها سببا للقطيعة ، بل مدخلاً للحوار والتقارب . فالثقافة ، في جوهرها، كانت دائما اللغة الأعمق التي يتفاهم بها البشر، والجسر الأكثر قدرة على تجاوز الحدود والزمن وصناعة الروابط الإنسانية المستدامة .
لا تقف رؤية سمو الشيخة لطيفة عند الدور التقليدي للمتحف كمكان لحفظ الإرث ، بل تمتد إلى اعتباره فضاء لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وذاكرته ، وبين الماضي والمستقبل .
فكلما ازداد العالم تعقيدا وانقساما ، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات ثقافية تمتلك القدرة على إعادة إنتاج المعنى المشترك ، وترسيخ قيم الانتماء الإنساني .
في دبي، تتجسد هذه الرؤية بوضوح من خلال منظومة ثقافية جعلت من المتاحف جزءاً أصيلا من هوية المدينة القائمة على التنوع والانفتاح والتعدد الثقافي .
لذلك، لم تعد المتاحف في دبي مؤسسات صامتة أو جامدة ، بل تحولت إلى فضاءات حية تحتفي بالتنوع الإنساني ، وتؤكد أن الحداثة الحقيقية لا تُبنى على القطيعة مع الذاكرة ، بل على التوازن العميق بين الأصالة والتجدد.
تتجلى هذه الفلسفة في عدد من أبرز متاحف دبي التي تشرف عليها هيئة الثقافة والفنون ، وفي مقدمتها متحف الاتحاد الذي يوثق لحظة تأسيس دولة الإمارات وسيرة الآباء المؤسسين ، إلى جانب متحف الشندغة الذي يقدم تجربة ثقافية وإنسانية تمتد عبر أكثر من 80 بيتاً تاريخيا ، ضمن رؤية ” من المجتمع إلى المجتمع ” التي تجعل من الذاكرة فعلاً جماعياً نابضاً بالحياة .
في هذه الفضاءات الثقافية، لا يُعرض التاريخ كوقائع جامدة أو أحداث منفصلة ، بل كسيرة إنسانية متكاملة تنبض بتفاصيل الحياة اليومية ، من البحر والتجارة إلى الحرف التقليدية والعادات الاجتماعية ، لتتشكل عبرها صورة الإنسان الذي صنع هوية المكان ورسّخ ملامحه الحضارية عبر الزمن .
إن الرسالة التي تؤكد عليها سمو الشيخة لطيفة تتمثل في أن الثقافة ليست ترفا فكريا أو نشاطا هامشيا ، بل ضرورة حضارية وأداة لبناء الوعي وتعزيز التقارب بين المجتمعات. ومن هذا المنطلق، تتحول متاحف دبي إلى منصات للحوار الإنساني ، ومساحات مفتوحة لاكتشاف الذات والآخر في آن واحد.
هكذا، تتكرس رؤية تجعل من المتحف مشروعا إنسانيا متكاملا ، لا يكتفي بحفظ الماضي ، بل يساهم في صناعة المستقبل ، ويذكّر العالم بأن ما يجمع البشرية من قيم وتجارب وآمال، أكبر بكثير مما يفرّقها .

