تونس 23°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

إسلام آباد … مفاوضات تحت النار ، وعمى استراتيجي .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يكن فشل المفاوضات في إسلام آباد حدثا مفاجئا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لسياق مختل منذ البداية .
فإيران لم تدخل إلى طاولة التفاوض كطرف مستقر يسعى إلى تسوية فعلا ، بل كدولة خرجت لتوّها من شهر كامل من القصف الذي استهدف عمقها العسكري وكشف ، بلا مواربة ، حدود منظومتها الدفاعية .
في مثل هذه الظروف ، لا تكون الدبلوماسية خيارا نابعا من رغبة في بناء الثقة ، بل أداة لإدارة الخسارة .
تفاوض لكسب الوقت ، لامتصاص الصدمة ، ولإعادة ترتيب الأوراق .
هنا تحديدا ، كان الرهان على مسار تفاوضي تقليدي وهما سياسيا أكثر منه قراءة واقعية .
غير أن المفارقة الأكثر دلالة لم تكن في طبيعة التفاوض ، بل في اتجاهاته .
فبينما كانت طهران تجلس قبالة واشنطن ، لم تُحصر المواجهة في هذا الخط المباشر ، بل جرى توسيعها نحو فضاءات أخرى ، وتحديدا باتجاه دول الخليج .
هذا السلوك لا يمكن قراءته كارتباك ظرفي ، بل يعكس منطقا استراتيجيا قائما على نقل الضغط إلى ساحات أقل كلفة وأكثر قابلية للاختراق .
بمعنى أدق : تفاوض إيران القوة التي تضربها ، وتضغط في المقابل على جيران لم يعلنوا عليها حربا .
هذا التباين في توجيه القوة لا يعكس فقط خللاً تكتيكياً، بل يكشف عن عقيدة نفوذ تعتبر الإقليم مجالا مفتوحا لإعادة توزيع موازين القوة، لا فضاء للشراكة أو الاستقرار .
ضمن هذا الإطار ، لا تبدو ساحات مثل اليمن والعراق ولبنان وسوريا منفصلة عن طاولة التفاوض ، بل هي امتداداتها الفعلية . أوراق ضغط تُفعّل عند الحاجة ، وتُجمّد عند الضرورة .
والأمر ذاته ينطبق على ما تكشف من شبكات وأنشطة في بعض دول الخليج ، بما في ذلك الكويت ، حيث تتحول الجغرافيا إلى أدوات تفاوض غير معلنة .
فشل مفاوضات إسلام آباد ، إذا، لا يُختزل في تعثر اتفاق ، بل يكشف خللا أعمق في تقدير اللحظة .
واشنطن دخلت التفاوض بعد أن استخدمت القوة ، واضعة شروطها من موقع التفوق ، فيما دخلت طهران وهي تحت الضغط ، تبحث عن هامش لالتقاط الأنفاس .
وفي الحالتين ، لم يكن بناء ثقة طويلة المدى هدفا حقيقيا، بل مجرد عنوان يُخفي صراع إرادات مؤجل .
وسط هذا المشهد ، بدت دول الخليج خارج غرفة التفاوض ، لكنها في صلب معادلاته .
لم تكن طرفا على الطاولة ، لكنها كانت حاضرة في الرسائل ، في الضغوط ، وفي حسابات التصعيد والتهدئة .
وهو ما يفسر القلق العميق من أي مخرجات لا تضع أمنها في قلب المعادلة .
الخلاصة أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن مفاوضات بين أنداد يسعون إلى تسوية ، بل مواجهة سياسية مؤجلة بين طرف يفرض الإيقاع وآخر يحاول استعادة توازنه . وفي مثل هذا السياق ، لا تنتج الدبلوماسية حلولًا بقدر ما تؤجل الانفجار .
لهذا، يبدو التعويل على هذه المفاوضات لإعادة الاستقرار أقرب إلى التفاؤل غير المسنود .
فالتجارب تقول بوضوح : ما يُحسم بالنار لا تثبّته الكلمات ، وما يُبنى تحت القصف لا يصمد طويلا.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية