تونس 26°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

ضجيجٌ ضدّ الخليج : حين تتحوّل العُقد إلى مواقف !.

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

ليست الأصوات المرتفعة التي تستهدف دول الخليج العربي في الفضاء الرقمي مجرّد اختلاف في الرأي ، ولا اعلانا عابرا عن موقف ظرفي ، بل هي ، في عمقها ، انعكاسٌ لتراكم نفسيّ وخطابيّ تشكّل على امتداد سنوات ، حيث اختلطت القراءة السياسية بالانفعال ، وتحوّلت بعض العُقد إلى مواقف مُعلنة تُسوَّق كما لو كانت حقائق ثابتة .
في كثير من الأحيان ، لا يصدر هذا الخطاب عن تحليل موضوعيّ بقدر ما يتغذّى من بيئات لم تفلح في تقديم نموذج مستقرّ أو مُقنع لشعوبها .
وحين تضيق مساحات الفعل ، يتّسع مجال القول ، ويصبح البحث عن “ خصمٍ خارجي ” خيارا سهلا لتحميله أوزار الإخفاقات وتخفيف وطأة الأزمات الداخلية .
هنا، تتحوّل اللغة إلى أداة تعويض ، ويغدو الخطاب بديلا عن الفعل ، لا وسيلة لفهم الواقع أو تغييره .
وفي هذا السياق ، وُضِع الخليج في مرمى الاستهداف بخلفية الاساءة ، لا لخطأ جوهريّ بقدر ما لكونه يمثّل تجربة مغايرة ، اختارت الاستثمار في الاستقرار والتنمية بدل الدوران في دوّامة الشعارات .
غير أنّ هذه التجربة كثيرًا ما تُقدَّم عبر عدسة مشوّهة ، تُعيد تفسير نجاحاتها باعتبارها نتاج عوامل خارجية أو تحالفات ملتبسة ، بدل الاعتراف بأنها ثمرة سياسات متراكمة ورؤى طويلة المدى .
هذا النمط من التفكير لا يسعى إلى الفهم بقدر ما يحرص على تثبيت قناعات مسبقة ، تُعفي أصحابها من مشقّة مراجعة الذات .
في المقابل، مضت دول الخليج في مسار يقوم على البناء الهادئ : إدارةٌ عقلانية للموارد، تخطيط قائم على رؤى واضحة ، وقياس للنتائج بمدى انعكاسها على جودة حياة الإنسان .
لم يكن الطريق مفروشا بالسهولة ، لكنه ظلّ قائما على منطق الفعل لا ردّ الفعل، وعلى صناعة الواقع لا اجترار الخطاب .
إنّ الضجيج الذي يتصاعد اليوم ليس سوى امتداد لذلك الخلل العميق في التوازن بين القول والعمل ، بين من يفسّر العالم عبر نظريات المؤامرة ، ومن يتعامل معه كمساحة مفتوحة للإنجاز .
وهو ضجيج يكشف ، في جوهره ، عن مأزق أكثر مما يعكس قوّة ، لأن المواقف التي تُبنى على عُقد لا تُنتج رؤية ، بل تبقى أسيرة انفعالاتها .
في النهاية، تظلّ الحقيقة أكثر بساطة مما يُراد لها : التجارب التي تنجح في بناء نموذج قابل للحياة تفرض حضورها بهدوء ، دون حاجة إلى ضجيج . أمّا من ينشغل بمهاجمتها أكثر من انشغاله بتطوير واقعه ، فإنه ، من حيث لا يدري ، يكشف حجم الفجوة التي تفصله عنها.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية