-ابوبكر الصغير.
لنقرّ بدءا ، لم يكن خطؤنا عابرا ، ولا زلّة لسان في نقاش عابر .
كان موقفا متراكما ، خطابا كاملا من التعالي والوصاية ، حين ظننا ، خطأً ، أننا نملك حق مساءلة دول الخليج و انظمته وشعوبه عن خياراتها ، وعن صفقاتها ، وعن رؤيتها لأمنها ومستقبلها .
اليوم، ونحن نرى الصورة أوضح من أي وقت مضى ، لا يكفي الصمت … بل يجب أن نعتذر.
نعم، يجب أن نقولها بوضوح : أخطأنا حين زايدنا عليهم ، وأخطأنا حين سخرنا منهم ، وأخطأنا حين تدخلنا في شؤون لا تعنينا ، متناسين أن الدول لا تُبنى بالشعارات ، بل بالرؤية ، ولا تُحمى بالنوايا الحسنة ، بل بالقوة والاستعداد .
كنا نسائلهم بوقاحة : لماذا كل هذه الأسلحة التي تكدسونها ؟ و لماذا هذه الترسانات؟ لماذا كل هذا الإنفاق العسكري؟ .
وكأننا كنا نحاسبهم على أموالنا !، و نطلب منهم أن يتركوا أبوابهم مفتوحة في عالم لا يعترف إلا بالقوة .
في الوقت الذي كنا فيه نُكثر من الكلام و اللغو و المزايدة و رفع الشعارات الكاذبة ، كانوا هم يشتغلون في صمت .
يبنون مطارات تُضاهي الأعظم و الأفضل في العالم ، يشيدون موانئ تربط القارات ، ينسجون طرقات ومدنا حديثة تُعيد تعريف العمران ، ويستثمرون في الإنسان قبل الحجر ، حتى صار المواطن هناك يعيش رخاءً هو من بين الأعلى و الأرقى عالميا .
لكن ما لم نفهمه نحن ، أو لم نرد أن نفهمه حقا ، هو أن كل هذه الإنجازات ، بكل عظمتها، يمكن أن تتحول إلى رماد في لحظة … إن لم تُحمَ .
وهنا بالضبط تتجلى حكمة قيادات دول الخليج التي عجزنا عن قراءتها .
قيادات وطنية صادقة وفية مخلصة لشعوبها ، لم تكن تشتري السلاح استعراضا ، ولا تبني الجيوش ترفا ، بل كانت ترى ما لا نرى نحن ، وتستشرف ما عجزنا نحن بتعنتنا عن استشرافه.
كانت تدرك أن في هذا العالم من يترصّد النجاح ، ويغتاظ من النهضة ، ويتحين الفرصة للانقضاض .
كانوا يُعدّون العدّة ليوم كهذا الذي نعيش …
يوم يختبر فيه الصبر ، وتُمتحن فيه الإنجازات ، ويظهر فيه الفارق بين من بنى وحمى ، ومن اكتفى بالكلام .
إن ما نراه راهنا. ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو لحظة كاشفة ، تعرّي أوهامنا ، وتُسقط ادعاءاتنا ، وتُعيد ترتيب المعاني في عقولنا .
لقد أثبتت التجربة أن الحكمة ليست في رفع الشعارات ، بل في اتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب.
ولذلك، فإن الاعتراف اليوم ليس ضعفا ، بل شجاعة .
أن نقول إن قيادات دول الخليج الشقيقة و العزيزة علينا كانت فعلا على حق، فذلك ليس مجاملة ، بل إنصاف .
وأن نقرّ بأننا ظلمناها بخطابنا ، فذلك ليس تراجعا ، بل نضج .
لقد كانوا أبعد نظرا منا … وأهدأ أعصابا … وأصدق تقديرا للمخاطر و قدرة على استشراف المستقبل .
وكنّا، في المقابل، أسرى الانفعال ، وضيق الأفق ، وسطحية القراءة .
ان التاريخ لا يرحم المتأخرين في الفهم ، لكنه يمنحهم فرصة الاعتذار .
فلنغتنمها … قبل أن نجد أنفسنا نعتذر مرة أخرى، ولكن بعد فوات الأوان .



