بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد إيران ، في أعين كثير من المستثمرين الصينيين ، تلك الساحة التي تُدار فيها الأعمال بهدوء خلف ستار العقوبات ، بل تحولت إلى فضاء مفتوح على احتمالات حرب طويلة ، تتجاوز مخاطرها كل منطق اقتصادي تقليدي .
فمغادرة أكثر من ثلاثة آلاف صيني منذ اندلاع الحرب لا يمكن اختزالها في عملية إجلاء عابرة ، بل تعكس تصدعا عميقا في الثقة داخل بيئة كانت ، إلى وقت قريب ، تُعد فرصة استثمارية استثنائية مهمة .
على امتداد سنوات ، استفادت الشركات الصينية من فراغ خلّفته العقوبات الدولية ، حيث انسحبت المؤسسات الغربية وتركَت المجال مفتوحًا أمام تمدد صيني واسع في قطاعات استراتيجية ، من الطاقة إلى البناء والصناعات التحويلية .
ورغم التعقيدات المرتبطة بالتحايل على القيود المالية ، عبر شبكات موازية ، وآليات مقايضة ، ومسارات تجارية ملتوية ، ظل منطق الربح قائما ، بل ومغريا ، مدفوعا بأسعار تفضيلية وفرص شبه احتكارية .
غير أن الحرب أعادت ترتيب الأولويات بشكل جذري .
فمع تصاعد التوترات العسكرية ، وإغلاق الأجواء ، واضطراب الاتصالات ، وتعقد حركة التنقل ، لم يعد الاستثمار مغامرة محسوبة ، بل أصبح مقامرة مفتوحة على المجهول .
تغيّر السؤال من “ كيف ننجز الصفقة ؟” إلى “ كيف نغادر بأقل الخسائر ؟ ”.
ومع كل موجة تصعيد ، تآكلت فكرة الاستقرار ، وحلّ القلق الوجودي محل حسابات الربح والخسارة .
الأهم من ذلك أن هذه الأزمة كشفت حدود ما يُعرف بـ“ المظلّة السياسية ”.
فالعلاقات الدبلوماسية ، مهما بلغت متانتها ، لم تعد كافية لحماية المصالح الاقتصادية في بيئة تحكمها القوة الميدانية .
وقد بدا جليًا أن رجال الأعمال ، مهما كانت جنسياتهم، يظلون الحلقة الأضعف في معادلة النزاعات.
ورغم المفارقة التي تجعل من الحروب بوابة محتملة لفرص إعادة الإعمار، فإن هذه الآفاق لا تبدو كافية لتعويض حالة اللايقين العميقة ، ولا لإقناع المستثمرين بإعادة التموضع بسهولة في أسواق بديلة أكثر استقرارا ، حيث المنافسة أشد، والضوابط أكثر صرامة ، كما هو الحال في بعض دول الخليج .
هنا يتبلور مأزق استراتيجي واضح : البقاء في بيئة عالية المخاطر ذات عوائد محتملة ، أو الانسحاب نحو أسواق أكثر أمانًا لكن أقل مرونة وربحية .
وبين هذين الخيارين، يظل كثير من الفاعلين الاقتصاديين عالقين في منطقة رمادية ، بانتظار نهاية حرب قد تطول ، فيما استثماراتهم ما تزال مرتبطة عضويا بالسوق الإيرانية .
ما يحدث اليوم يتجاوز كونه أزمة ظرفية : إنه اختبار حقيقي لطبيعة الحضور الاقتصادي الصيني في مناطق النزاع : هل هو توسع براغماتي محسوب ، أم اندفاع قد يصطدم عاجلا أم آجلا بجدران الجغرافيا السياسية ؟ .
في إيران، تبدو الإجابة في طور التشكل … حين تصبح كلفة البقاء أعلى من كلفة الرحيل .

