تونس 26°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

إيران … عندما ينتصر الوهم وتُهزم الدولة.

بقلم : أبوبكر الصغير.

ليست كل الحروب تبدأ بالصواريخ … بعضها يبدأ بفكرة .
فكرة متطرفة ، مغلقة ، عمياء ، ترى العالم بالأبيض والأسود ، وتختزل الإنسان في شعار ، والوطن في مشروع عقائدي أيديولوجي يقوم اساسا على الثار .
من هنا تحديدا يبدأ الانحدار. .
فحين تتحوّل الدولة إلى أداة في يد عقيدة جامدة ، لا ترى في الإنسان إلا وسيلة ، ولا في الاختلاف إلا تهديدا ، يصبح الخراب مسألة وقت فقط .
فالتاريخ لا يرحم الأنظمة التي تراهن على الأوهام بدل الإنسان ، ولا يغفر لتلك التي تبني قوتها على الشعارات و سياسات الهيمنة بدل بناء المجتمعات .
كل البلدان التي قامت على أيديولوجيات متطرفة أو عقائد منغلقة ، و انصرفت عن الاستثمار في الإنسان ، في التعليم ، في الكرامة ، في التنمية ، انتهت إلى المصير ذاته : عزلة ، فقر ، و انهيار .
بل عودة قاسية إلى ما يشبه “ العصر الحجري ”، حيث تبدد الثروات ، و تُهدر الإمكانات ، وتُكسر المجتمعات من الداخل قبل الخارج .
ولنا اليوم في ايران مثالٌ صارخ، يختزل هذه المأساة .
دولةٌ كانت تملك من المقومات ما يؤهلها لتكون قوة إقليمية مستقرة نعمة على شعبها ، لكن اختارت طريقا آخر … طريق الأيديولوجيا على حساب الإنسان .
واليوم، تقف أمام مشهد ثقيل :
بنية تحتية استراتيجية استغرق بناؤها عقودا، وكلفت آلاف المليارات، تتآكل أو تُدمّر .
نخب سياسية وعسكرية تُستنزف أو تغيب في لحظات مفصلية .
مجال جوي لم يعد حصنا، بل ثغرة مفتوحة .
بيئة إقليمية مشحونة بالعداء من كل الجهات .
أجهزة أمنية يُفترض أن تحمي ، لكنها تعاني اختراقا عميقا.
اقتصاد يترنح : عملة منهارة ، تضخم قاسٍ ، و عشرات الملايين تحت خط الفقر … قبل أن تزيد الأزمات من حدته .
وإذا استمرت المواجهات دون أفق سياسي ، فإن العقوبات ستظل جاثمة ، تخنق ما تبقى من قدرة على التعافي .
لكن المأساة لا تكمن فقط في الأرقام أو في حجم الخسائر … بل في الفكرة التي أوصلت إلى هنا .
الفكرة التي جعلت من الصراع هدفا ومن الارهاب سياسة ، ومن التوتر نهجا، ومن الإنسان تفصيلًا هامشيا.
ومع ذلك، لا يزال البعض ينظر إلى المشهد وكأنه مباراة ، ينتظر “ من سينتصر ”.
وكأن الأوطان تُقاس بالغلبة ، لا بالنجاة.
وكأن الشعوب تُختزل في نتائج ، لا في معاناة يومية صامتة لشعب مغلوب على امره .
الحقيقة الأعمق أن لا أحد ينتصر حين يُهزم الإنسان .
ولا دولة تُبنى بالصواريخ ، ولا مستقبل يُصنع بالعزلة .
الدول التي تبقى… هي تلك التي راهنت على الإنسان اولا و أخيرا ، لا على الأيديولوجيا.
و الأوطان التي تنهض … هي التي جعلت من العقل بوصلة ، ومن الكرامة أساسًا .
أما حين يحكم التهور ، ويقود التطرف ، و يغدو الارهاب سياسة دولة ، فإن النهاية تكون واحدة ، مهما طال الطريق : خراب يُكتب بيد أصحابه ، قبل أن يفرضه عليهم الآخرون .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية