تونس 23°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

اليمين زروال … رجل الدولة حين تضيق الخيارات .

الجزائر – عرب 21 :

لم يكن اليمين زروال مجرد رئيسٍ عابر في تاريخ الجزائر الحديث ، بل كان عنوانا لمرحلة كاملة ، مرحلة اختلط فيها صوت الدولة بدويّ الرصاص ، وتجاور فيها الأمل مع الخوف .
في يوم السبت 28 اذار ، رحل عن عمر ناهز 84 عاما، تاركا وراءه سيرة مثقلة بالقرارات الصعبة ، واختيارات لا تُتخذ إلا عندما تضيق الخيارات وتشتدّ العواصف .
في تسعينيات القرن الماضي ، حين كانت الجزائر تنزلق نحو أحد أعنف فصولها ، برز زروال كـ” نقطة توازن ” داخل نظام تمزقه صراعات الأجنحة .
لم يكن سياسيا تقليديا بقدر ما كان عسكريا محترفا ، صعد إلى قمة السلطة بدفع من رفاقه ، في لحظة كانت فيها الدولة تبحث عن منقذ أكثر مما تبحث عن حاكم .
عندما تولّى رئاسة الدولة بين عامي 1995 و 1999 ، لم يجد طريقا معبّدا ، بل واجه حقل ألغام حقيقيا .
كان عليه أن يوازن بين تيارين متناقضين : دعاة الحوار مع الإسلاميين المسلحين ، وأنصار الحسم الأمني الصارم .
وفي الآن ذاته ، كان مطالبا بإدارة اقتصاد مثقل بالأزمات ، في ظل سياسات تقشف فرضتها شروط الجهات الدولية .
معادلة قاسية استنزفت الرجل ، ودفعته في النهاية إلى اتخاذ قرار نادر : التخلي عن السلطة قبل إتمام ولايته ، بعد أن مهّد لانتقالها إلى عبد العزيز بوتفليقة .
وُلد زروال في 3 يوليو 1941 بمدينة باتنة ، ومنذ سن السادسة عشرة التحق بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957 . كانت تلك البداية المبكرة كفيلة برسم ملامح مسيرته . بعد الاستقلال ، صقل تكوينه العسكري بين القاهرة وموسكو وباريس ، قبل أن يتدرّج في هرم الجيش الوطني الشعبي ، فيقود الأكاديمية العسكرية بشرشال ، ويتولى قيادة نواح عسكرية استراتيجية .
غير أن مسيرته لم تكن خطا مستقيما .
ففي عام 1989، وهو جنرال وقائد للقوات البرية ، اختار الاستقالة على خلفية خلافات حادة مع الرئيس الشاذلي بن جديد والجنرال خالد نزار بشأن إعادة هيكلة الجيش .
بدا وكأنه يبتعد عن المشهد ، لكن تطورات البلاد سرعان ما أعادته إلى قلبه.
عاد سنة 1993 وزيرًا للدفاع ، في لحظة كانت الجزائر تغرق في دوامة العنف عقب إلغاء الانتخابات التشريعية لسنة 1991. وبعد عام، في 30 يناير 1994، عُيّن رئيسًا للدولة ، ليجد نفسه مباشرة في قلب العاصفة .
منذ بداياته، حاول فتح باب الحوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، في مسعى لإيجاد مخرج سياسي للأزمة .
لكن هذه المبادرة اصطدمت برفض قوي داخل المؤسسة العسكرية ، التي كانت تميل إلى خيار الحسم الأمني .
وبين هذا وذاك ، ظل زروال يمشي على حبل مشدود فوق هاوية الانقسام .
رغم ذلك ، خاض أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر يوم 16 نوفمبر 1995، وفاز بنسبة 61 % من الأصوات .
ثم بادر بعد عام إلى تعديل دستوري عزّز صلاحيات رئيس الجمهورية ، في محاولة لإعادة بناء مركز القرار .
غير أن الانقسامات لم تهدأ ، بل تعمّقت مع تصاعد العنف ، وبلوغ البلاد ذروة دموية شهدت مجازر مروعة طالت المدنيين حتى في محيط العاصمة .
خارجيا ، لم تكن التحديات أقل تعقيدا . فقد شهدت العلاقات مع فرنسا توترا لافتا ، خاصة خلال أزمة اختطاف طائرة الخطوط الفرنسية سنة 1994.
كشفت تلك الحادثة عن تباين حاد في الرؤى بين الجزائر وباريس ، ولم تُحل إلا بعد اتصالات مكثفة وتدخل أمني أنهى العملية في مرسيليا .
و في مواجهة الانتقادات الدولية ، لا سيما في ملف حقوق الإنسان ، تمسّك زروال بخطاب السيادة ، معتبرا تلك المواقف تدخلا في الشأن الداخلي . وبلغ التوتر ذروته بإلغاء لقاء كان مرتقبا مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك سنة 1995.
كان يحكم في زمن لا يرحم : عنف متصاعد، مجازر متكررة، وأسئلة ثقيلة حول دور المؤسسة العسكرية .
ومع تراكم الضغوط ، اتخذ قراره المفاجئ في 1 سبتمبر 1998 بتقليص ولايته وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة .
قرارٌ فسّره البعض كاستقالة مؤجلة ، خاصة مع صعود عبد العزيز بوتفليقة بدعمٍ واضح من المؤسسة العسكرية ، وما رافق ذلك من جدل حول مسار الانتقال الديمقراطي .
بعد مغادرته السلطة ، اختار زروال الصمت . على مدى عقدين ، ظل بعيدا عن الأضواء ، رافضا العودة إلى المشهد السياسي حتى في خضم حراك 2019.
كان حضوره نادرا ، مقتصرا على مبادرات وطنية محدودة ، وكأنه يصرّ على البقاء خارج لعبة عرف خباياها جيدًا.
برحيله، تستعاد سيرة رجلٍ حكم في زمن استثنائي ، وحاول أن يحافظ على تماسك الدولة وسط عاصفة كادت تقتلعها .
لم يكن بلا أخطاء ، لكنه لم يكن أيضا رجل مرحلة عادية .
اختار أن يغادر بإرادته ، في سابقة نادرة في تاريخ الجزائر السياسي ، تاركا صورة قائد أثقله الزمن، لكنه لم يتخلَّ عن الدولة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية