بقلم أبوبكر الصغير.
لم يكن مستحيلا ، في لحظة ما ، من لحظات التاريخ القريب ، أن تُفتح صفحة جديدة بين العالم العربي وإيران .
بل كان الأمل في مصالحة تاريخية ، مصالحة مدفوعة بروابط الدين ، ووشائج الجوار ، وحسابات العقل التي تفرض التعاون بدل الصدام .
عواصم عربية مدّت يدها إلى طهران غير مرة ، بصدق الأخوة و وحدة الدين ، وبنية طيّ صفحة التوتر، رغم سجلّ مثقل بالجراح .
من حرب الثماني سنوات مع العراق، التي استنزفت المنطقة وأحرقت مقدراتها ، إلى سياسات التمدد التي تجسدت في دعم الميليشيات المسلحة و زرع الوكلاء ، وصولا إلى بسط النفوذ على عواصم عربية ( بغداد ، دمشق ، بيروت ، صنعاء الخ … ) .
ظلّ الأمل العربي قائما في أن تعود إيران إلى رشدها ، إلى منطق الدولة، لا منطق الثورة العابرة للحدود .
وحتى في أكثر اللحظات حساسية ، حين تعرّضت مواسم الحج لمحاولات تسييس وإفساد متعمد ، وحين طالت الاعتداءات البنى التحتية لدول عربية ، لم ينقطع خيط الصبر العربي.
بل إن العرب، و من المفارقة ، كانوا في طليعة من سعى إلى تجنيب إيران ويلات الحروب ، وحرصوا على تفويت الفرصة على عدو مشترك يتربص بالجميع ، وفي مقدمته إسرائيل .
كان الموقف العربي ، و كانت الرؤية العربية، في جوهرها ، قائمة على أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بإقصاء إيران و عزلها ، بل بإدماجها في منظومة تعاون تحترم سيادة الدول وتكفّ عن التدخل في شؤونها .
غير أن ما يحدث اليوم يكشف ، بمرارة ، أن تلك اليد الممدودة قوبلت بالغدر .
فبدل أن تختار طهران طريق التهدئة ، مضت في التصعيد ، غير عابئة بحرمة الدم ، ولا بحرمة الزمان .
حتى شهر رمضان، بما يحمله من قداسة في وجدان المسلمين ، لم يشفع لوقف آلة القتل والتدمير الإيرانية .
يستهدف الأبرياء ، وتُضرب البنى الأساسية التي تمثل شريان الحياة لشعوب عربية مسلمة ، وكأن القطيعة لم تعد مجرد خلاف سياسي ، بل صارت خيارا ايرانيا استراتيجيا .
إن الخسارة التي قد تتكبدها إيران هذه المرة لن تكون عابرة ، ولا شبيهة بما سبق .
إنها خسارة في الرصيد الأخلاقي قبل أن تكون في موازين القوة ، وخسارة في عمقها الإسلامي قبل بعدها السياسي . فلا دولة إسلامية و قفت بجانبها و انتصرت لسياساتها ، بل نجحت ان جعلت كل العالم ضدًها منددا بممارساتها .
فحين تُغلّب عقلية الهيمنة على منطق الشراكة ، وتُقدَّم الأوهام الإمبراطورية على حقائق الجغرافيا والتاريخ ، فإن النتيجة الحتمية تكون عزلة تتسع يوما بعد يوم.
لقد عرف التاريخ الإسلامي لحظات توتر كبرى ، وكان اغتيال الخليفة علي بن ابي طالب رضي الله عنه ، إحدى تلك اللحظات التي فتحت أبواب الفتنة .
لكن دروس التاريخ كانت دائما تدعو إلى رأب الصدع ، لا تعميقه ، وإلى تجاوز الأحقاد ، لا توريثها .
أما اليوم، فإن ما يُخشى هو أن تتكرس قطيعة جديدة ، أشد قسوة ، وأطول عمرا .
إنها لحظة مفصلية لايران : إما أن تعيد النظر في سياساتها و مسارها الحالي ، و تدرك أن الجوار العربي ليس ساحة نفوذ ، بل فضاء اخوة و تعاون و شراكة ، أو أن تمضي في طريق العزلة والصدام، حيث لا رابح في نهاية المطاف .
وفي كل الأحوال، فإن ما انكسر اليوم ليس مجرد توازنات سياسية ، بل ثقة كان من الممكن أن تؤسّس لمستقبل مختلف .
وربما، وهذا هو الأخطر، أن تكون صفحة الأخوة التي صمدت رغم كل شيء، قد طُويت إلى أجل غير معلوم !!.


