تونس 25°C

2 ماي 2026

تونس 38°C

2 ماي 2026

الصحافة بين حرية التعبير ومسؤولية بناء السلام .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في كل عام ، يحلّ الثالث من ماي ، اليوم العالمي لحرية الصحافة ، لا كذكرى احتفالية عابرة ، بل كموعد متجدد مع سؤال جوهري : أيّ صحافة نريد في عالم مضطرب ؟ وأيّ دور ننتظر منها في زمن تتزاحم فيه الحقيقة مع الضجيج ؟ .
لم تعد الصحافة اليوم مجرد وسيط لنقل الخبر ، بل باتت فاعلاً مركزياً في تشكيل الوعي الجماعي ، وصياغة إدراك المجتمعات لذاتها ولمحيطها .
فهي، في جوهرها، خط الدفاع الأول عن حق المواطن في المعرفة، والضامن الأساسي لشفافية المجال العام .
غير أن هذا الدور، على أهميته، لم يعد كافياً في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الفضاء الإعلامي .
إن التحدي الحقيقي لم يعد مقتصراً على حماية حرية التعبير ، بل تجاوز ذلك إلى بناء منظومة إعلامية قادرة على التمييز بين الحقيقة والزيف ، في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتضخم فيه المعلومات المضللة.
فالفوضى الرقمية، بما تتيحه من انتشار سريع وغير مضبوط للمحتوى ، تهدد بتقويض أسس الثقة ، وتضع الصحافة أمام اختبار أخلاقي ومهني غير مسبوق .
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى صحافة مسؤولة ، لا تكتفي برفع شعار الحرية ، بل تلتزم أيضاً بضوابطها المهنية والأخلاقية. فحرية التعبير، حين تنفصل عن المسؤولية، قد تتحول إلى أداة فوضى ، كما أن تقييدها المفرط يفضي إلى خنق الحقيقة .
وبين هذين الحدّين ، تتحدد مهمة الصحافة الحقيقية : ممارسة حرّة ، نعم، ولكن بوعي عميق بتأثير الكلمة وخطورة توظيفها .
ولأن العالم يعيش على وقع أزمات متلاحقة ونزاعات متصاعدة، فإن دور الإعلام في بناء السلام لم يعد خياراً، بل ضرورة.
فالكلمة قادرة على تهدئة التوتر كما يمكنها أن تؤججه، والصورة قد تنقل معاناة إنسانية أو تُستغل لتغذية خطاب الكراهية .
ومن هنا، تصبح المسؤولية الإعلامية جزءاً لا يتجزأ من معادلة الاستقرار، وشريكاً أساسياً في صناعة الأمل بدل تكريس الانقسام .
لقد فتحت الثورة الرقمية ، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، آفاقاً واسعة أمام حرية التعبير ، لكنها في المقابل فرضت تحديات معقدة، أبرزها انتشار الأخبار الزائفة، وتنامي العنف الرقمي، وتآكل المعايير المهنية. وهو ما يجعل من التربية الإعلامية ركيزة أساسية لمجتمعات قادرة على حماية نفسها بنفسها من التضليل ، وعلى استيعاب التحولات دون السقوط في فخاخها.
في المحصلة، لا يمكن الحديث عن صحافة حرة دون بيئة تحمي استقلالها ، ولا عن إعلام مسؤول دون وعي يدعم رسالته. وبين الحرية والمسؤولية، تبقى الكلمة الصادقة هي الرهان الأكبر : رهان على الحقيقة، وعلى الوعي، وعلى قدرة الإعلام على أن يكون جسراً نحو السلام، لا وقوداً للصراع .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية