تونس 26°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

بلاد فائض تديّن … و مجاعة أخلاق .

بقلم أبوبكر الصغير.

كيف لارض تحمل القيروان في صدرها ، عاصمة تُعدّ رابع اقدس الاماكن في ذاكرة امة مسلمة ، ارض تتباهى بجامع الزيتونة المعمور ، أعرق جامعات العالم و اعظم منارات علم ، أن تسقط إلى هذا الحدّ من الفوضى الأخلاقية والانحدار القيمي و السلوكي لدى شرائح مهمة من مجتمعها خاصة الشباب منها ؟ .
كيف لبلاد تضم اكثر من ثمانية الاف مسجد و جامع بين ما هو معلن رسميا و غير معلن ، و مئات الزوايا و دور الصالحين و معاهد و مدارس قرآنية تتكاثر كأنها النجوم فوق التراب ، أن تُصبح قلوب بعض أهلها مُقفلة ، مُتعفّنة ، قاسية ، عاجزة عن أبسط مظاهر الأدب ، و الخلق ، و الإنسانية ؟ .
كيف نستطيع أن نفسّر أن شعبا غارقا حتى أذنيه في مظاهر التدين و الورع ، غارقا في الدروس الدينية و الخطب ، في المواعظ، في التهجد ، في الأذكار ، يُنتج في المقابل كل هذا العنف السلوكي و هذا الانحطاط الاخلاقي و هذه العدوانية و الخبث و التحايل و قلة الحياء ؟ .
ماذا حصل لنا ؟ أيّة كارثة ضربت النفوس؟ من أفرغ هذه الأرض من معناها ، وملأها بقشور بلا روح ، ببيوت صلاة بلا ضمير ، وبمظاهر صلاحٍ لا تسندها أخلاق ؟ .
يكفي المرء ان ينزل إلى الشارع سيكتشف و سيرى الحقيقة المروّعة : وجوه متجهمة ، ألسنة فاحشة ، طباع منفلتة ، عنف مجاني ، غلظة في التعامل ، تهشّم كامل في احترام الناس لبعضهم البعض .
ادخلوا الأسواق ، ستجدون القرآن يُرتّل فوق الرؤوس ، لكن تحتها ستتعرضون و تعرفون كل أنواع الغش و الفظاظة و التحيل !.
تجوّلوا في الطرقات ، ستكتشفون أن العنف و الغضب صارا لغة وطنية ، والاعتداء ردّ فعل عادي ، و الاحترام عملة غائبة نادرة .
نعم، حدث شيء خطير في هذه البلاد .
حدث شيء عميق ، شيء لم نجرؤ على الاعتراف به : لقد فقدنا بوصلتنا الأخلاقية .
تآكل الضمير . ذبلت الرحمة . انهارت القيم .
تحوّل مجتمع بكامله إلى غابة تُدار بالأنانية والصراخ ، لا بالعقل ولا بالدين و لا بالسلوك الحسن .
المساجد ارتفعت ، لكنّ الأخلاق سقطت. الأصوات علت ، لكنّ القلوب خَرِست .
الشعائر كثرت ، لكنّ السلوك اختفى .
هذا هو الانفصام المرعب الذي يقتل البلاد اليوم .
هذه ليست ظاهرة عابرة ، هذا ليس مزاجا عاما ، هذه كارثة روحية و اخلاقية و قيمية تضرب العمود الفقري للمجتمع .
أمامنا اليوم ضوء احمر يصرخ في وجوهنا .
إنه ليس دعوة للتأمل ، بل صفعة للاستفاقة.
فلا دولة يمكن أن تُبنى على هذا الانهيار .
ولا مستقبل لمجتمع يمكن أن يولد من هذا التحلّل .
ولا وطن يمكن أن يصمد حين ينطفئ نوره الأخلاقي .
لا يجب ان تخدعكم المآذن العالية ، ولا الآلاف المؤلفة من المساجد و الجوامع .
فما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الخطابات،
بل ثورة ، اقله تغييرا في سلوكاتنا ، في ضمائرنا ، في الطريقة التي نعيش و نعامل بها بعضنا البعض .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية