تونس 29°C

19 جوان 2026

تونس 38°C

19 جوان 2026

إيران الثورة .. حين تتحول العقيدة إلى مشروع عابر للحدود !.

ٍبقلم : أبوبكر الصغير .

ليست إيران الثورة مجرد دولة في مفهومها التقليدي المعلوم و المتداول ، ولا يمكن فهم سلوكها الإقليمي فقط من خلال حسابات الجغرافيا السياسية أو المصالح المباشرة للدول .
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية في ايران عام 1979 ، تشكلت عقيدة سياسية واستراتيجية مختلفة ، تقوم على دمج البعد العقائدي بالمشروع الإقليمي ، وعلى تقديم مفهوم خاص للأمن والنفوذ يتجاوز بل يتعارض في كثير من الأحيان مع المفاهيم الكلاسيكية للسيادة الوطنية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى .
لقد زرت شخصيا إيران، وكتبت وشاركت في أبحاث ودراسات حول هذا البلد ، وكنت أمام تجربة سياسية وحضارية معقدة لا يمكن اختزالها في الصور النمطية .
فإيران تمتلك تاريخا عريقا وثقافة عميقة وشعبا صاحب إرث حضاري كبير ، لكن إيران الثورة تمثل حالة سياسية مختلفة تماما ، حيث أصبحت العقيدة الثورية عنصرا مركزيا في تعريف دور الدولة ورسالتها وحدود حركتها الخارجية .
ومن أبرز تجليات هذه الرؤية مفهوم “ محور المقاومة ”، الذي لم يعد مجرد خطاب سياسي ، بل تحول إلى إطار استراتيجي تتحرك من خلاله طهران عبر شبكة من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في المنطقة .
وهنا تظهر الإشكالية الكبرى : عندما يصبح دعم الحلفاء خارج الحدود جزءا من العقيدة الأمنية ، فإن مفهوم السيادة الوطنية يجد نفسه أمام تفسير مختلف عن المفهوم المتعارف عليه في النظام الدولي .
وقد جاء أحد أوضح التعبيرات عن هذا التحول الخطير على لسان صادق آملي لاريجاني ، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ، عندما تحدث عن الضربات الإيرانية الأخيرة باعتبارها ليست “ مجرد رد عسكري ”، بل “ إعلانا رسميا عن عقيدة استراتيجية جديدة ”، مؤكدا أن أي استهداف لأي مكوّن من مكونات ما يسميه “ محور المقاومة ” يمكن أن يستدعي ، وفق هذا المنطق ، ردا يتجاوز الحدود الجغرافية ، وأن طهران تدخل “ فصلا جديدا في سياستها الدفاعية ( الأسلم كلمة العدوانية ) ”.
في زمن سابق ، كان يمكن اعتبار مثل هذه التصريحات جزءا من خطاب الصراع والحروب النفسية ، لكن تكرار هذا النوع من الطروحات داخل دوائر سياسية وأمنية إيرانية مختلفة يكشف عن تحول خطير أعمق : انتقال مفهوم الردع من حماية الحدود إلى بناء نفوذ إقليمي واسع، يرى أن أمن إيران يبدأ خارج أراضيها !!!.
وهنا تكمن جوهر المسألة : فالعالم الحديث قام على مبدأ أن لكل دولة سيادتها وحدودها، وأن العلاقات بين الدول تُدار عبر القانون الدولي والتفاهمات الدبلوماسية .
أما حين تتبنى دولة ما رؤية تجعل من ساحات خارج حدودها امتدادا مباشرا لأمنها القومي ، فإن ذلك يخلق صداما مع مفهوم الدولة الوطنية ومع توازنات كلّ المنطقة .
إن نقد هذه العقيدة لا يعني تجاهل تاريخ إيران أو عداء شعبها ، بل هو محاولة لفهم مشروع سياسي أصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط .
فالمشكلة ليست في قوة أي دولة أو طموحها الطبيعي ، بل في الطريقة التي تُترجم بها هذه القوة ، وفي مدى احترامها لسيادة الآخرين واستقرارهم .
لقد أثبتت التجارب أن النفوذ الحقيقي لا يبنى فقط عبر أدوات القوة ، بل عبر القدرة على بناء الثقة والشراكات واحترام استقلال الدول . أما تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة عابرة للحدود ، فإنه يضاعف الأزمات ويجعل المنطقة رهينة صدامات لا تنتهي .
إن إيران الثورة قدمت نفسها منذ بدايتها كصاحبة مشروع يتجاوز الحدود ، والسؤال الذي يظل مطروحا هو : هل يمكن لهذا المشروع أن يتعايش مع نظام دولي يقوم أساسا على استقلال الدول و سيادتها على أراضيها و شعوبها ، أم أن منطق التمدد العقائدي سيظل مصدرا دائما للتوتر في المنطقة ؟.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية