تونس 29°C

1 جوان 2026

تونس 38°C

1 جوان 2026

حسيب بن عمار ، الرجل الذي جمع المختلفين تحت سقف الحرية .

بقلم : أبوبكر الصغير
( رئيس تحرير سابق لجريدة الرأي )

إذا ألقينا نظرة متأنية على المشهد السياسي الوطني ، بدا واضحا أنّ الحراك القائم في نهايات القرن الماضي ، تحديدا في سنوات الثمانين ، بما يحمله من تجاذبات وحدّة سجال ، ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من الصراع حول المعنى الحقيقي للسياسة والدولة والحرية.
غير أنّ اللافت في هذا المشهد، قديما ، أنّه كان مطبوعا بأسماء بعينها، شكّلت محطّات فاصلة في تاريخ تونس المعاصر.
أربع شخصيات تحديدا وسمت هذا المسار:
الباجي قائد السبسي.
منصف المرزوقي،
مصطفى بن جعفر،
راشد الغنوشي،
رغم اختلاف المرجعيات والمسارات ، فإنّ خيطا ناظما يجمع بينهم : النضال السياسي في عهدي بورقيبة وبن علي دفاعاً عن الحريات العامة والكرامة الإنسانية، والإيمان ، بدرجات متفاوتة ، بإمكانية بناء حياة ديمقراطية في تونس.
لكن ما يغيب عن كثيرين، وربما عن الذاكرة الجماعية نفسها، أنّ نقطة التقاء هؤلاء لم تكن حزبا ولا سلطة ، بل منبرا فكريا وإعلاميا حمل اسم ” الرأي ” ، وكان وراءه رجل استثنائي اسمه حسيب بن عمار اليوم 15 ديسمبر تحل ذكرى وفاته .
في مطلع ثمانينات القرن الماضي، لم تكن الرأي ، وأختها الفرنسية Democratie مجرد أسبوعيتين سياسيتين ، بل فضاء وطنيا مفتوحا ، وملتقى نادرا لكل أطياف المعارضة التونسية على اختلاف مشاربها : ليبراليين، يساريين، قوميين، وإسلاميين. تحت سقفها اجتمع المختلفون، لا بحثا عن غلبة، بل عن مشترك ديمقراطي في زمن كان فيه الاختلاف جريمة.
ساهم كل من الباجي قائد السبسي ومصطفى بن جعفر في تأسيس هذا المشروع من خلال المؤسسة المغربية للصحافة، بينما شكّلت الرأي بالنسبة للدكتور منصف المرزوقي بوابة العبور الأولى إلى الفضاءين السياسي والحقوقي ، إذ نُشرت بها نصوصه الأولى المتمرّدة، وصدرت عن المؤسسة نفسها أعماله الفكرية المبكرة، ومنها كتابه الشهير ” لماذا ستطأ الأقدام العربية أرض المريخ ؟ ” .
أما حركة الاتجاه الإسلامي، التي كان يقودها راشد الغنوشي، فقد كان خروجها العلني الأول عبر صفحات ” الرأي ” ، التي نشرت بياناتها الأولى، وعرّفت الرأي العام باسم الحركة، خاصة في سياق أحداث قفصة، لتصبح الصحيفة بذلك شاهدا على ولادة تيارات سياسية متناقضة، لكنها متجاورة في لحظة تاريخية واحدة.
سنة 1981، عرفت مجموعة ” الرأي ” انقساما بين من أراد تحويل التجربة إلى حزب سياسي، ومن فضّل الإبقاء عليها كتيار ديمقراطي واسع يتسع للجميع. اختار مصطفى بن جعفر لاحقا الالتحاق بمشروع أحمد المستيري لتأسيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، بينما عاد الباجي قائد السبسي إلى تحمّل مسؤوليات حكومية عبر وزارة الخارجية.
كان ذلك أول مربّع سياسي تلتقي فيه ، بشكل غير مباشر، الأسماء التي سيُكتب لها لاحقا أن تتقاسم أقدار تونس.
وسط كل ذلك، يقف حسيب بن عمار لا كفاعل ظرفي، بل كضمير وطني سابق لزمنه.
رجل تولّى أرفع المسؤوليات في الدولة والحزب الاشتراكي الدستوري بعد الاستقلال، وصولاً إلى وزارة الدفاع الوطني سنة 1971، قبل أن يختار في لحظة نادرة ، الاستقالة من السلطة، ثم الانسحاب من العمل السياسي الرسمي، ليتفرغ كليا للنضال الحقوقي والمدني.
كان من مؤسسي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في شهر ماي سنة 1977، وأسّس المعهد العربي لحقوق الإنسان وترأسه، ليُتوّج هذا المسار سنة 1993 بحصول المعهد على جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان.
في ذكرى وفاته ، لا يُستحضر حسيب بن عمار كاسم من الماضي ، بل كفكرة حيّة : فكرة أن السياسة يمكن أن تكون أخلاقاً، وأن الاختلاف يمكن أن يكون ثراء ، وأن الوطن يتسع للجميع.
رحم الله حسيب بن عمار… مناضلا وطنيا أعطى تونس أكثر مما أخذ، وترك أثرا يتجاوز الأشخاص إلى التاريخ .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية