بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير )
رغم تعهداته المتكررة بإنهاء الحروب وسحب بلاده من مستنقعات الصراعات الخارجية، يجد دونالد ترامب نفسه اليوم أمام اختبار جديد يعيد خلط أوراق السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
فالتوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران يضع واشنطن، من جديد، في موقع الطرف الفاعل ، أو المتورط ، وسط ساحة مشتعلة لا تهدأ.
في الوقت الذي لا تزال فيه الحرب في أوكرانيا تستنزف القوى الغربية، ومع استمرار الكارثة الإنسانية في غزة دون بوادر لحل قريب، جاءت الضربة الإسرائيلية المفاجئة ضد أهداف داخل إيران لتدفع المنطقة نحو مزيد من الاشتعال .
ومما زاد من تعقيد المشهد، مشاركة القوات الأميركية في التصدي لصواريخ إيرانية أُطلقت ردا على الهجوم الإسرائيلي، ما يعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة منخرطة، سواء اعترفت بذلك أو لا.
ورغم أن ترامب لم يعلن دعما مباشرا للعملية، إلا أنه وصفها بأنها ” ناجحة ” ، في تصريح يوحي بتأييد مبطن، ويعكس أسلوبه السياسي الذي يتسم بالمراوغة وتعدد الرسائل.
في المقابل، تتحدث تسريبات إسرائيلية عن تنسيق أميركي سابق للهجوم، بل وتواطؤ استخباراتي تمثل في تضليل طهران من خلال الإيحاء بأن اللقاء المزمع في عُمان ما يزال قائما، وهو ما نفته واشنطن رسميا، دون أن تقدم تفسيرا مقنعا لدورها الحقيقي.
هذا الغموض المتعمد يأتي وسط ضغوط داخلية متزايدة على ترامب من الجناح اليميني في الحزب الجمهوري، حيث يرى كثيرون من المحافظين أن أي تورط خارجي هو تكرار لأخطاء ” المحافظين الجدد ” التي كلفت الولايات المتحدة غاليا في العقود الماضية. شخصيات بارزة مثل تاكر كارلسون وتشارلي كيرك عبّرت صراحة عن استيائها، وذهبت إلى حد اتهام ترامب بـ ” التواطؤ في عمل حربي ” .
لكن المفارقة الأبرز تكمن في مواقف ترامب الأخيرة التي أغضبت تل أبيب نفسها، بعد أن خالف توجهات نتنياهو وقرر رفع العقوبات عن سوريا، وفتح قناة تفاوضية مع حركة حماس في ملف الرهائن، كما توصل إلى هدنة مؤقتة مع الحوثيين في اليمن دون التنسيق مع الحليف الإسرائيلي .
هذا السلوك يعكس نمطا براغماتيا في إدارة الملفات الخارجية، يبحث فيه ترامب عن إنجازات سريعة حتى لو جاء ذلك على حساب الحلفاء التقليديين.
ومع ذلك، فإن خيار التهدئة لا يبدو مضمونا، في ظل تقارير عن منشآت نووية إيرانية محصنة قد تتطلب استخدام قنابل خارقة مثل GBU-57، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن .
وفي هذا السياق، حذر خبراء في مركز كارنيغي من أن الضربات، حتى وإن أحدثت أضرارا، لن توقف برنامج إيران النووي، بل قد تدفعه إلى مزيد من التسارع تحت الأرض وبعيدا عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هكذا يجد ترامب نفسه عالقا بين خطاب السلام وواقع الحرب، يحاول الحفاظ على سردية الزعيم الذي يرفض المغامرات العسكرية، بينما تشير الوقائع إلى تورط متزايد في صراعات تتجاوز حسابات السياسة الداخلية. وبينما تزداد خيوط الأزمة تشابكا، تبدو واشنطن وكأنها تتحرك في حقل ألغام، قد تنفجر في أي لحظة، مهددة بانهيار ما تبقى من استقرار هشّ في الشرق الأوسط.



