بقلم أبوبكر الصغير.
ليس أخطر على البشرية اليوم ، من فكرة تُقنِع الإنسان بأن موته و فناءه ، أعظم انجاز و انتصار يمكن أن يحققه في حياته .
تلك هي الكارثة الحقيقية التي غرستها أيديولوجيات التطرّف في عقول بعض البشر : تحويل الحياة إلى عبء او محطة ، والموت إلى هدف و غاية ، و القتل و الدم إلى لغة وحيدة للتعبير .
في قلب هذه العقيدة الخطيرة ، يولد ما يمكن تسميته بظاهرة ” الانتحار العبثي ” ، حيث لا يعود الإنسان فاعلا حرا سيد نفسه و مصيره ، بل يتحول إلى أداة و وسيلة في يد التنظيم ، إلى جسد مُعبّأ بفكرة واحدة : أن الموت و الفناء باسم الشهادة هو الطريق الوحيد للخلاص . وهنا تنكسر كل المعاني الإنسانية : لا قيمة للحياة ، لا قدسية للآخر ، ولا مكان للعقل أو الرحمة .
رأينا هذه الفكرة تتجسد بأبشع صورها في تنظيمات الارهاب كتنظيم الدولة و القاعدة ، حيث يُدفع الشباب إلى حمل أكفانهم على ظهورهم ، يبتسمون للموت كما لو كان وعدا و طريقا ثابتا الى الجنة ، بينما يتركون خلفهم مدنا محروقة ، وأمهات مكلومات ، وأوطانا تنزف بلا توقف .
لا تتوقف المأساة عند حدود هذه التنظيمات .
فحين تتحول الفكرة ذاتها إلى أداة في يد أنظمة أو مشاريع سياسية ، كما في نظام آيات الله في ايران اليوم ، يصبح الموت ايديولوجيا الدولة و ثقافة عامة ، ويُعاد إنتاجها في أشكال مختلفة : ميليشيات، حرس ثوري ، حروب بالوكالة ، وشعارات تُمجّد “الشهادة” بينما تُخفي خلفها حسابات سلطة و هيمنة و نفوذ .
ما يُرعبنا حقا ليس فقط من يموت ، بل من يَقتل بعمله الارهابي قبل أن يموت .
هؤلاء الذين يُلقَّنون أن تدمير القرى ، ونسف المدن ، وقتل الأبرياء ، هو طريق خلاص امة !!. هنا تحديدا تتحول المأساة الكبرى من فعل فردي إلى مشروع شامل لتخريب الحياة نفسها .
إن تقديس الموت ليس بطولة ، بل هو إعلان إفلاس أخلاقي وفكري .
فالحياة، بكل ما فيها من ألم وأمل ، هي القيمة العليا التي قامت عليها كل الحضارات . أما حين يُختزل الدين في لحظة تفجير ، أو في رصاصة عمياء ، فإنه يفقد جوهره ، ويتحوّل إلى أداة خراب و دمار .
الحقيقة التي يحاول الارهابيون و المتطرفون طمسها هي أن الإنسان لا يُقاس بقدرته على الموت ، بل بقدرته على أن يحيا ، أن يبني ، أن يُحب ، ان يعطي لشعبه و امته ، أن يحمي الحياة لا أن يفنيها.
لقد آن الأوان لمواجهة هذه العقيدة ” الموتية ” ، لا فقط بالسلاح ، بل بالفكر ، بالتعليم ، وبإعادة الاعتبار لمعنى الإنسان و معنى الحياة نفسها .
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، هو أن يقتنع أبناؤه أن نهايتهم هي أعظم إنجازاتهم .
حينها فقط … لا تموت الأجساد وحدها، بل تموت أوطان و شعوب .

