تونس 29°C

14 جويلية 2026

تونس 38°C

14 جويلية 2026

لم يكن ردا … بل غدرا !.

ٍبقلم – ابوبكر الصغير.

الجميع يذكر تصريح رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني حول الهجمات الإيرانية على قطر و قال : ” تُشعرنا بخيانة كبيرة “، واعتبر أن الهجمات على دول الخليج ” خطأ فادح “.
هذا موقف صائب و صادق ، يصدر عن مسؤول في دولة لم تدّخر جهدا في تجنيب الشعب الإيراني ويلات حرب مدمرة ، كما انه قول ، لا يختلف فيه اثنان و لا يتناطح حوله عنزان .
ليست كل الحروب تبدأ عندما تنطلق الصواريخ ، فبعضها يبدأ حين يُتخذ القرار في الغرف السرية المغلقة ، وتُرسم الخرائط، وتُحدد الأهداف ، ويُختار الضحايا قبل أن يسمع العالم أول دوي للانفجارات .
وإذا كان لكل عدوان ذريعة يختبئ خلفها، فإن ما تعرضت له دول مجلس التعاون الخليجي والأردن يثير ، في تقديري الشخصي ، سؤالًا حارقا يصعب تجاهله : هل كان الأمر مجرد ردة فعل، أم أن ما جرى كان جزءا من خطة أُعدت مسبقا ، ولم تكن تحتاج إلا إلى اللحظة المناسبة لتنفيذها ؟.
فما إن وقع القصف الأمريكي و الإسرائيلي على إيران يوم الثامن والعشرين من فيفري 2026، حتى بدأت الهجمات الإيرانية تتجه نحو الضفة الغربية من الخليج العربي ، مستهدفة مواقع ومنشآت حساسة ، قبل أن ينقضي اليوم الأول من تلك المواجهة ، وكأن الأهداف كانت معلومة و معروفة سلفا ، والإحداثيات جاهزة، وخطط التنفيذ تنتظر ساعة الصفر فقط .
هذا التسلسل الزمني يدفع إلى التساؤل : كيف أمكن تنفيذ عمليات بهذا الحجم وبهذه السرعة لو لم تكن مخططا لها و قد أُعدت مسبقا ؟ ، وكيف تحولت دول عربية لم تشارك في الهجوم، ولم تستخدم أراضيها لتنفيذه ، إلى أهداف مباشرة ؟ .
لقد قيل إن الضربات كانت تستهدف قواعد أمريكية ، لكن حتى هذا التبرير يظل ، في نظر كثيرين ، غير كافٍ لتفسير اقتصار الاستهداف على دول خليجية عربية، في حين توجد قواعد عسكرية أمريكية في دول أخرى غير عربية منذ سنوات طويلة، و على حدود ايران ، ولم تكن ضمن دائرة الهجمات.
انّ هذا المعطى، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير اختيار الأهداف ، ولماذا كان العرب وحدهم من يدفعون الثمن .
والأكثر إيلاما أن ما طال المنطقة لم يقتصر ، بحسب ما أُعلن ، على منشآت ذات طابع عسكري ، بل امتد إلى مرافق مدنية واقتصادية وبنى تحتية تمثل شريان الحياة لعشرات الملايين من المواطنين .
وعندما تصبح الكهرباء والموانئ والمطارات و محطات التكرير والمنشآت الاقتصادية جزءا من بنك الأهداف ، فإن الحديث لم يعد عن رد فعل عسكري محدود ، بل عن معاقبة دول وشعوب بأكملها .
لقد أثبتت دول الخليج والأردن، طوال سنوات ، أنها كانت من أكثر الدول حرصا على تجنيب المنطقة الانفجار ، ومدت جسور الحوار ، وسعت إلى الوساطات ، وفتحت أبواب الدبلوماسية كلما أغلقت أبواب الحرب .
لكن المفارقة المؤلمة أن اليد التي امتدت للحوار وجدت نفسها تُغدر و في مرمى الصواريخ .
إن أخطر ما في الغدر أنه لا يكتفي بإيقاع الخسائر ، بل يهدم الثقة ، ويزرع الشك ، ويكشف أن بعض المشاريع السياسية لا ترى في الجوار العربي شريكا ، بل ساحة لتصفية الحسابات وإرسال الرسائل .
قد تختلف القراءات السياسية ، وقد تتباين المواقف ، لكن يبقى سؤال ، لا و لن يسقط بالتقادم : لماذا كان العرب هم الهدف؟ ولماذا كانت مدنهم واقتصادهم وأمنهم أول من دفع ثمن حرب لم يكونوا طرفا فيها يوما ؟.
إن التاريخ لا يحفظ فقط من أطلق الصاروخ، بل يحفظ أيضًا من اختار هدفه .
وبين الخطأ والغدر فرق كبير ، فالخطأ قد تفرضه ظروف المعركة ، أما الغدر فهو قرار يُصنع مسبقا ، ويُنفذ بدم بارد ، ثم يُبحث له لاحقًا عن مبررات .
وفي النهاية، يبقى الأمل أن تكون هذه التجربة القاسية درسًا يعزز وحدة الصف العربي، ويؤكد أن أمن الخليج والأردن ليس شأنا داخليا محليا ، بل قضية عربية مشتركة، وأن حماية الأوطان تبدأ بوحدة الموقف ، وقوة التضامن ، واليقظة أمام كل مشروع يستهدف استقرار المنطقة، أيًا كان مصدره .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية