ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران قد عادت ، بل إلى أي مدى يمكن أن تتسع رقعتها ، وإلى أين يمكن أن تقود الشرق الأوسط بأسره . فمع كل جولة جديدة من التصعيد ، يبدو المشهد وكأنه يعود إلى نقطة البداية، لكن في ظروف أشد تعقيدا ، وأكثر قابلية للانفجار .
لقد كشفت السنوات الأخيرة عن استراتيجية إيرانية تقوم على الجمع بين مسارين متوازيين : إبقاء باب التفاوض مواربا ، وعدم التردد في استخدام القوة العسكرية كلما تعثرت المفاوضات أو اقتضت الحاجة رفع سقف الضغوط .
إنها معادلة تقوم على التفاوض تحت هدير الصواريخ ، ومحاولة انتزاع مكاسب سياسية عبر فرض وقائع ميدانية جديدة .
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية أن أدوات الضغط الإيرانية لا تتجه ، في كثير من الأحيان ، نحو إسرائيل بصورة مباشرة ، بقدر ما تستهدف محيطها العربي والممرات البحرية الدولية .
فمن تهديد الملاحة في مضيق هرمز ، إلى استهداف السفن التجارية ، مرورا بالاعتداءات التي تطال دول الخليج ، تبدو الرسالة الإيرانية موجهة إلى العالم عبر أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد الدولي ، أكثر من كونها مواجهة مباشرة مع خصومها المعلنين .
وتقوم هذه المقاربة على قناعة راسخة لدى صانع القرار في طهران بأن أمن الطاقة العالمي يمثل الورقة الأكثر حساسية في حسابات القوى الكبرى .
فأي اضطراب في حركة الملاحة أو صادرات النفط ينعكس فورا على الأسواق العالمية ، ويرفع كلفة أي قرار سياسي أو عسكري تتخذه واشنطن وحلفاؤها .
في المقابل ، تبدو الإدارة الأمريكية أكثر استعدادا للرد بالقوة كلما اعتبرت أن مصالحها الاستراتيجية أو حرية الملاحة الدولية أصبحتا موضع تهديد .
ولذلك فإن كل تصعيد إيراني يقابله تصعيد أمريكي ، لتدخل الأزمة في حلقة متكررة من الردود المتبادلة التي تزداد خطورتها مع مرور الوقت .
ورغم ذلك ، لا تشير المعطيات حتى الآن إلى أن أيّا من الطرفين يسعى إلى حرب شاملة . فالولايات المتحدة تدرك أن انفجارا واسعا في الخليج ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها ، كما تدرك إيران أن موازين القوة لا تسمح لها بخوض مواجهة تقليدية طويلة مع واشنطن .
غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائما بقرار مسبق ، بل قد تنفجر نتيجة خطأ في الحسابات ، أو سوء تقدير ، أو رد فعل يتجاوز ما كان مخططا له.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية ، فكل ضربة تستدعي ردا ، وكل رد يرفع مستوى التصعيد ، حتى يصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة مع اتساع دائرة الأطراف المنخرطة فيها .
لقد نجحت إيران ، خلال السنوات الماضية ، في توظيف التصعيد العسكري لتحسين شروطها التفاوضية .
لكن استمرار تهديد أمن دول الجوار واستقرار الممرات البحرية الدولية قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بصورة مختلفة ، بما ينقل المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة من كل ما سبق .
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام معادلة شديدة الهشاشة : لا سلام مستقر ، ولا حرب شاملة ، بل حالة استنزاف متواصل تتخللها مواجهات متقطعة ، قد تتحول في أي لحظة إلى صراع إقليمي واسع لا يملك أحد السيطرة على مساراته أو نهاياته .
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد : هل اندلعت الحرب ، بل واقعا من يملك القرار و القدرة على منع انفجار الأوضاع ، قبل ان يدفع الجميع ثمن ذلك غاليا ، و بلا استثناء ! .



