ٍبقلم : أ.حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
هناك دول تعيش على أمجاد الماضي ، وأخرى تصنع مستقبلها كل يوم .
والمغرب الشقيق ، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش ، اختار أن يكون من الصنف الثاني ، دولة تبني بصمت ، وتخطط بعقل ، وتراكم الإنجازات بثبات ، حتى أصبحت تجربته واحدة من أكثر التجارب العربية والإفريقية إثارة للاهتمام .
لقد أدركت القيادة المغربية مبكرا أن المكانة بين الأمم لا تُمنح ، بل تُنتزع بالعمل والرؤية والإرادة .
ولذلك دخل المغرب الألفية الثالثة وهو يحمل مشروعا متكاملا لتحديث الدولة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي ، واضعا التنمية والاستقرار والانفتاح في قلب خياراته الاستراتيجية .
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه هو التحول الذي عرفته الدبلوماسية المغربية ، والتي انتقلت من الدفاع عن المواقف إلى صناعة المبادرات . ففي قضية الصحراء المغربية ، استطاعت الرباط ، عبر دبلوماسية هادئة ونشطة ، أن تحقق مكاسب متتالية عززت الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها إطارا واقعيا لتسوية النزاع ، في تطور يعكس سنوات طويلة من العمل المتواصل والرهان على الحوار والشراكات الاستراتيجية .
ولم تقتصر الرؤية المغربية على السياسة وحدها ، بل امتدت إلى الاقتصاد ، حيث راهن المغرب على بناء اقتصاد متقدم إنتاجي حديث ، قادر على المنافسة في الأسواق العالمية .
واليوم أصبحت المملكة المغربية من أبرز مراكز صناعة السيارات في إفريقيا ، ونجحت في ترسيخ مكانتها في قطاع صناعة الطيران ، مستقطبة استثمارات كبرى عززت ثقة الشركاء الدوليين في بيئة الأعمال المغربية .
أما المشاريع الكبرى ، فهي عنوان مرحلة كاملة .
فمشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب لا يمثل مجرد استثمار اقتصادي ، بل يعكس رؤية جيو – سياسية تجعل من المملكة جسرًا للتكامل بين غرب إفريقيا وأوروبا .
كما تجسد المبادرة الأطلسية وبرامج تنمية الأقاليم الجنوبية إيمان المغرب بأن التنمية هي أقوى أدوات ترسيخ الاستقرار وبناء النفوذ الإيجابي .
وعلى المستوى الرياضي ، لم يكن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم بقطر سنة 2022 و ما حققه في مونديال العالم 2026 مجرد انتصار كروي ، بل كان لحظة فخر عربية وإفريقية أعادت رسم صورة المغرب في وجدان العالم .
لقد أثبت أبناء المملكة المغربية أن الإيمان بالقدرات ، حين يقترن بالتخطيط والعمل ، قادر على تحويل الحلم إلى حقيقة .
ثم جاء النجاح في تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 ليؤكد أن المغرب لم يعد يكتفي بتحقيق الإنجازات داخل الملاعب ، بل أصبح قادرا على تنظيم أكبر التظاهرات القارية وفق أعلى المعايير ، مستعرضا ما أنجزه من بنية تحتية حديثة ، ومنظومة لوجستية متطورة، وخبرة تنظيمية راكمها عبر سنوات من الاستثمار في الإنسان والمؤسسات .
إن سر التجربة المغربية لا يكمن في مشروع واحد أو إنجاز بعينه ، بل في وجود رؤية متواصلة تقودها قيادة تؤمن بأن بناء الدول عملية تراكمية ، وأن المستقبل لا يُنتظر ، بل يصنع بالإرادة والعمل والانفتاح على العالم .
لقد استطاع المغرب ، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أن يرسخ صورة دولة تجمع بين الأصالة والحداثة ، وتحافظ على استقرارها في محيط إقليمي مضطرب ، وتواصل بناء اقتصادها ، وتعزيز حضورها الدبلوماسي ، وتوسيع شراكاتها الإفريقية والدولية بثقة واتزان .
وهكذا يثبت المغرب ، عاما بعد عام ، أن الأمم العظيمة ليست تلك التي تكثر من الشعارات و الخطابات ، بل تلك التي تجعل من الإنجاز لغتها ، ومن الحكمة منهجها ، ومن المستقبل وعدا تفي به لشعبها وللأجيال القادمة .




