بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لا تبدو الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين مجرد محطة دبلوماسية عابرة ، بل أقرب إلى لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات العالم في مرحلة دولية شديدة الاضطراب.
فعندما يلتقي رئيس الولايات المتحدة بنظيره الصيني شي جين بينغ ، فإن الأمر يتجاوز ملفات التجارة والرسوم الجمركية والتكنولوجيا ، ليصل إلى جوهر الصراع على شكل النظام العالمي المقبل ، وكيفية إدارة العلاقة بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة .
العالم اليوم يقف فوق أرضية هشة.
الحرب في أوكرانيا مستمرة ، والشرق الأوسط يعيش على وقع توترات قابلة للانفجار في أي لحظة ، فيما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطا متزايدة بفعل العقوبات والاستقطاب والصراعات الجيوسياسية .
وفي قلب هذا المشهد ، تواصل الصين تقدمها بثبات نحو موقع القطب الدولي المؤثر ، بينما تحاول واشنطن احتواء التحول المتسارع في موازين القوى العالمية .
من هنا تكتسب زيارة ترامب أهمية استثنائية، فالإدارة الأميركية تدرك جيدا أن الصين لم تعد مجرد منافس اقتصادي ، بل أصبحت قوة قادرة على التأثير في ملفات الأمن والطاقة والتحالفات الدولية والنزاعات الإقليمية . لذلك، لا تتوجه واشنطن إلى بكين فقط لحماية مصالحها الثنائية ، بل أيضا لمحاولة الاستفادة من النفوذ الصيني في احتواء عدد من الأزمات التي تهدد الاستقرار العالمي .
فالولايات المتحدة تعلم أن الصين باتت تمتلك أوراق تأثير متزايدة في الشرق الأوسط ، عبر شراكاتها الاقتصادية الضخمة ، وحضورها المتنامي في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والاستثمارات الاستراتيجية .
ولهذا تأمل واشنطن أن تضطلع بكين بدور أكثر فاعلية في تهدئة التوترات الإقليمية ، والحد من الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية .
وهنا تحديدا تتعقد المعادلة .
فالصين لا تريد خسارة شركائها الاستراتيجيين، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي انفجار إقليمي واسع قد يضرب مصالحها الاقتصادية العملاقة ، ويهدد مشروع “ الحزام والطريق ” الذي يمثل أحد أهم رهاناتها الجيوسياسية . لذلك تحاول بكين تقديم نفسها كقوة دولية مسؤولة ، قادرة على التوفيق بين المصالح الاقتصادية ومتطلبات الاستقرار السياسي .
أما ترامب ، فرغم خطابه الحاد تجاه الصين خلال السنوات الماضية ، فإنه يبدو مدركاً أن سياسة المواجهة المباشرة لم تعد كافية أو مضمونة النتائج .
فالصين اليوم ليست دولة يمكن احتواؤها بالأدوات التقليدية ، بل أصبحت مركزا صناعيا وماليا وتكنولوجيا يصعب تجاوزه أو عزله عن الاقتصاد العالمي .
ولهذا قد يتجه الرئيس الأميركي نحو مقاربة أكثر براغماتية ، تقوم على إدارة التنافس لا دفعه نحو الانفجار .
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الزيارة تكمن في بعدها الدولي الأوسع .
فالعالم يراقب ما إذا كان العملاقان قادرين على بناء حد أدنى من التفاهم يمنع انزلاق النظام الدولي إلى مرحلة من الفوضى الكبرى . لأن أي صدام مباشر بين واشنطن وبكين لن يبقى محصورا بينهما ، بل ستكون له تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي والتحالفات الدولية والأمن والاستقرار عبر العالم .
وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن الولايات المتحدة والصين ، رغم حدة التنافس بينهما ، تحتاج كل منهما الأخرى أكثر مما تعلن . واشنطن تحتاج إلى دور بكين في احتواء بعض بؤر التوترات العالمية ، والصين تحتاج إلى استقرار دولي يضمن استمرار صعودها الاقتصادي وتوسعها الاستراتيجي .
أما العالم، فيحتاج إلى أن تدرك القوتان أن إدارة النفوذ أكثر حكمة من السقوط في صراع الهيمنة المفتوح .
لهذا ، فإن نتائج الزيارة لن تُقاس بعدد الاتفاقيات أو الصور الرسمية ، بل بقدرة واشنطن وبكين على إنتاج تفاهمات تمنع اشتعال الجبهات الدولية ، وتفتح الباب أمام توازن عالمي جديد أقل توتراً وأكثر واقعية . ففي عالم تتزايد فيه الحروب والانقسامات ، لم يعد التفاهم بين القوى الكبرى خيارا سياسيا فحسب ، بل ضرورة وجودية لحماية ما تبقى من الاستقرار الدولي .



