بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
نعيش زمنا تتراجع فيه القيم أمام المصالح، وتضيق فيه مساحات الرحمة وسط صخب الأزمات والحروب ، في هذا الزمن تحديدا تواصل المملكة العربية السعودية تقديم نموذج إنساني استثنائي ، لا تُقاس عظمته بحجم الإنجازات الاقتصادية فقط ، بل بما يزرعه من أمل في قلوب البشر ، وما يمنحه من حياة جديدة لأطفال كانت أقدارهم معلّقة بين الألم والمجهول .
ومن قلب هذا الحضور الإنساني المتواصل ، جاء الإعلان عن العملية رقم 71 ضمن البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة ، حيث يخضع التوأم التنزاني “ نانسي ونايس ” لعملية فصل دقيقة ، في محطة جديدة تُضاف إلى واحدة من أعظم المبادرات الطبية الإنسانية في العالم .
هذا الحدث لا يمكن اختزاله في رقم أو نجاح جراحي عابر ، بل هو قصة إنسانية كاملة تختصر معنى أن تتحول الدولة إلى يد رحيمة تمتد عبر القارات ، دون تمييز بين لون أو دين أو لغة أو جنسية .
فمنذ عام 1990، والمملكة تقود بصمت وثبات مشروعًا إنسانيًا نادرًا ، استطاعت من خلاله دراسة وتقييم 157 حالة من 28 دولة ، لتصبح الرياض مدينةً يقصدها الأمل ، ووجهة لعائلات أنهكها الخوف وانتظار المعجزة .
وفي قلب هذه المسيرة الإنسانية يبرز اسم الدكتور عبدالله الربيعة ، الذي تجاوزت صورته حدود الطبيب والجراح ، ليصبح رمزًا عالميًا للرحمة والعطاء .
فقد استطاع أن يجعل من الطب رسالة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون علمًا ومهنة ، وأن يمنح المملكة وجهًا مضيئًا يختصر معنى الإنسانية في أنبل صورها .
يحمل مشرطه بعقل العالم ، لكنه يلامس قلوب المرضى بحنان الأب وإنسانية القائد .
وما يمنح هذا البرنامج قيمته الاستثنائية ليس فقط النجاح الطبي المعقد ، بل الفلسفة النبيلة التي يقوم عليها .
فهذه العمليات تُجرى مجانًا بالكامل ، وتتكفل المملكة بكل تفاصيل العلاج والرعاية والاستضافة ، في مشهد يجسد المعنى الحقيقي للقوة الناعمة ، قوة تُبنى بالفعل الإنساني الصادق ، لا بالشعارات والخطابات .
كم من أمّ وصلت إلى الرياض وهي تحمل طفلًا ملتصقًا بالخوف والوجع ، ثم غادرت وهي تحمل طفلين منفصلين وحياة جديدة لكل واحد منهما ؟.
كم من عائلة استعادت الأمل لأن المملكة قررت أن تجعل من الرحمة سياسة، ومن إنقاذ الإنسان رسالة دولة ؟.
لقد نجحت السعودية عبر هذا البرنامج في تقديم صورة مختلفة للدولة الحديثة ، دولة تستثمر في الإنسان قبل كل شيء، وتؤمن بأن إنقاذ طفل في أقصى إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية هو انتصار للقيم الإنسانية جمعاء . ولهذا لم تعد عمليات فصل التوائم مجرد إنجازات طبية ، بل أصبحت جزءًا من الدبلوماسية الإنسانية السعودية التي صنعت للمملكة احترامًا عالميًا واسعًا .
كما تكشف هذه النجاحات حجم التطور الذي بلغته المنظومة الصحية السعودية ، وقدرتها على خوض أكثر العمليات الجراحية تعقيدًا ودقة في العالم ، في وقت تعجز فيه حتى بعض الدول المتقدمة عن خوض هذا النوع من التحديات الطبية .
فعملية الفصل الواحدة قد تستمر عشرات الساعات ، ويشارك فيها عشرات الأطباء والمتخصصين ، وسط أدق التفاصيل المتعلقة بتشابك الأعضاء والأوعية الدموية واحتمالات الخطر العالية.
لكن ما يمنح هذه التجربة عظمتها الحقيقية أن المملكة لم تتعامل يومًا مع هذه العمليات باعتبارها استعراضًا إعلاميًا أو استثمارًا سياسيًا ، بل باعتبارها رسالة إنسانية مستمرة .
ولهذا استمر البرنامج لعقود ، وتواصلت نجاحاته جيلاً بعد جيل ، حتى أصبح اسم السعودية مرتبطًا عالميًا بإنقاذ التوائم الملتصقة ، تمامًا كما ارتبط اسم الدكتور عبدالله الربيعة بالأمل والحياة .
إن قصة “ نانسي ونايس ” ليست مجرد قصة توأم تنزاني يخضع لعملية فصل، بل هي تذكير مؤثر بأن الإنسانية ما تزال بخير، حين توجد دول تجعل من الرحمة نهجًا، ومن الطب رسالة، ومن الإنسان أولوية مطلقة .
وفي عالم تتزايد فيه صور القسوة والأنانية، تبدو هذه المبادرات وكأنها ضوء نادر يعيد للبشر إيمانهم بأن الخير ما يزال قادرًا على الانتصار.



