تونس 26°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

لبنان ومحاولة فكّ العقدة المالية : قانون على حافة الإنقاذ واستعادة الثقة المهدورة .

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

بعد أكثر من ست سنوات على الانهيار المالي الذي لم يكتفِ بإسقاط النظام المصرفي اللبناني ، بل أعاد صياغة الاقتصاد والمجتمع معا ، خطت الحكومة اللبنانية خطوة تُوصَف بأنها الأكثر حساسية منذ اندلاع الأزمة ، عبر إقرار مشروع قانون يهدف إلى تنظيم توزيع الخسائر وحماية صغار المودعين ، في محاولة متأخرة لإعادة ترميم ما تبقّى من ثقة مفقودة بين الدولة ومواطنيها.
هذا القانون، الذي جاء ثمرة ضغوط داخلية وإملاءات خارجية ، ولا سيما من صندوق النقد الدولي ، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لتحوّل لبنان إلى اقتصاد نقدي هشّ ، تُدار فيه المعاملات خارج النظام المصرفي ، وتُختصر فيه الدولة بدور المراقب العاجز .
وعليه، يسعى المشروع إلى وضع إطار قانوني يحدّد للمرة الأولى ، وبصراحة غير معهودة ، من يتحمّل كلفة الانهيار : الدولة ، المصارف ، أم المودعون .
يمنح النص اولوية واضحة لصغار المودعين بالدولار، وهم الفئة الأوسع عدديًا ، إذ لا تتجاوز ودائع نحو 85% منهم سقف 100 ألف دولار عند اندلاع الأزمة عام 2019، بحسب تقديرات رئيس الحكومة نواف سلام .
هؤلاء يُفترض أن يستعيدوا كامل ودائعهم على مدى أربع سنوات ، بعد سنوات من السقوف التعسفية والاقتطاعات المقنّعة .
أما كبار المودعين ، فيُحدَّد لهم سقف استرداد نقدي لا يتجاوز 100 ألف دولار، فيما يُعوَّض الجزء المتبقي من ودائعهم بأدوات مالية مرتبطة بأصول ، في محاولة لتوزيع الخسائر من دون تحميل الخزينة أعباء مباشرة جديدة .
غير أن هذا المسار، رغم رمزيته ، يترك فجوات اجتماعية عميقة.
فالقانون لا يعالج خسائر المودعين الذين خضعوا لاقتطاعات قسرية خلال سنوات الأزمة ، ولا ينصف من ادّخروا بالليرة اللبنانية التي فقدت قرابة 98% من قيمتها ، ما يعني أن شريحة واسعة من اللبنانيين خرجت من المعادلة نهائيا ، وكأن الانهيار لم يكن حدثا جماعيًا بل أزمة انتقائية في معالجتها.
أكثر البنود إثارة للجدل يتمثّل في إلزام من هرّبوا أموالهم إلى الخارج مع بداية الأزمة بإعادتها ، خصوصا أولئك الذين استغلوا مواقعهم السياسية أو المصرفية ومعلوماتهم الداخلية للتحايل على القيود التي فُرضت لاحقا على غالبية المودعين. يمنح القانون الدولة حق فرض غرامة تصل إلى 30% من قيمة الأموال المحوّلة في حال الامتناع عن الإعادة ، في رسالة سياسية تتجاوز بعدها المالي ، مفادها أن زمن الإفلات من المحاسبة لم يعد مطلقا ، ولو نظريا.
رئيس الحكومة نواف سلام أكّد أن المرحلة المقبلة ستشهد تدقيقا شاملا لتحديد المسؤوليات في الانهيار، مشيرا إلى أن الخسائر المقدّرة لا تقل عن 70 مليار دولار .
ُ كما ينص المشروع على إعادة رسملة المصارف المتعثّرة ، في محاولة لإحياء قطاع مصرفي أُفرغ من دوره .
غير أن سلام لا يخفي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأرقام ولا في النصوص ، بل في استعادة الثقة ، بعدما تحوّل فقدانها إلى أخطر أشكال الخسارة غير القابلة للقياس .
جمعيات المودعين ، التي شكّلت خلال السنوات الماضية رأس حربة الضغط الشعبي، استقبلت المشروع بحذر مشوب بالتوجّس .
ترى في تحييد احتياطي الذهب عن استخدامه لسدّ الخسائر مكسبًا بالغ الأهمية ، كما ترحّب بالتزام الدولة بإجراء تدقيق فعلي. لكنها في المقابل تُدرك أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد ، إذ لا يزال القانون في عهدة البرلمان ، ويمرّ عبر لجنة المال والموازنة المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع المصارف.
تأخير إقرار المشروع لأشهر طويلة يعكس عمق التعقيدات التي تحاصر السلطة التنفيذية ، من توترات أمنية جنوبًا لم تُنهِها تفاهمات وقف إطلاق النار، إلى انقسامات داخل مجلس الوزراء نفسه بين تيار إصلاحي وآخر يحاول حماية مصالح المنظومة المالية .
لم يكن التوافق سهلا ، إذ احتاجت الحكومة إلى ثلاث جلسات للوصول إلى تصويت بالأغلبية ، في ظل معارضة تسعة وزراء من أصل اثنين وعشرين .
في الخلاصة، لا يمثّل هذا القانون حلًا نهائيًا للأزمة بقدر ما يشكّل اختبارا سياسيا وأخلاقيا للدولة اللبنانية.
فهو شرط ضروري لفتح باب الدعم الدولي، لكنه في الوقت ذاته مرآة لمدى استعداد السلطة للاعتراف بحجم الانهيار وتوزيع كلفته بشكل أقل ظلما .
أما مصيره في البرلمان ، فسيكشف ما إذا كان لبنان قادرا على تحويل خطاب الإصلاح إلى ممارسة ، أم أن منطق المصالح سيبقى ، مرة أخرى ، أقوى من أي محاولة إنقاذ .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية