بقلم – ابوبكر الصغير .
إن لم تستطع أن تُغيّر حياة من حولك ، فابدأ بنفسك.
غيّرها بصدق ، بصمتٍ إن لزم الأمر ، واجعل من سلوكك مرآةً لما تؤمن به.
فالقدوة الصادقة لا ترفع صوتها ، لكنها تُسمَع … ولا تفرض نفسها ، لكنها تُحتَرم.
لا تكن حجر عثرة في طريق أحد ، حتى لو كان خصما ، فالنُبل يُقاس بقدرتك على الارتفاع فوق الإساءة ، لا بمقدار ردّها.
غير أن المؤلم حقا ، أن تجد من يسيء إليك بلا سبب ، من لا يعرفك ، ولا يجمعك به رابط، ولا تنتظر منه نفعاً ولا تخشاه ، ومع ذلك يختار أن يؤذيك .
كأن الأذى عند البعض صار غاية ، لا وسيلة… وكأن الحقد بات لغةً بديلة عن الفهم.
هنا تبدأ المأساة الحقيقية : حين تتفكك الروابط ، وتذبل روح الجماعة ، ويتحوّل المجتمع إلى أفرادٍ متنافرين ، كلٌّ منهم جزيرة معزولة .
تتغوّل الفردانية ، وتتمدد الأنانية ، ويعلو صوت “ الأنا ” حتى يخنق كل قيمة أخرى. فنجد أنفسنا في غابةٍ لا يحكمها قانون ، حيث الكلمة للأقوى ، والهيبة للعنف ، والقرار للتهديد .
لقد تعرّضت فكرة المسؤولية الجماعية ، والغيرة على الوطن ، إلى تآكلٍ بطيء وخطير . ليس فقط بفعل مؤامرات واعية ، بل أيضاً نتيجة ترسيخ ثقافة يومية مشوّهة : ثقافة “دبّر راسك ”، و” رزق البيليك”، والتحيّل، و”شاشية هذا فوق هذا ”.
وللإنصاف، لم تكن بعض وسائل الإعلام ، خاصة المرئية والمسموعة ، بعيدة عن تغذية هذا الانحدار ، حين جعلت من الانتهازية بطولة ، ومن الفوضى مشهداً عاديا .
ما ترسّخ في العمق هو عقلية الهدم : عقلية تتقن التآمر أكثر مما تتقن البناء ، تمتلئ بالريبة بدل الثقة ، وبالحقد بدل الأمل .
والخراب، في جوهره، ليس مجرد دمار … بل هو سقوطٌ بعد عمران ، وانهيارٌ لما شيّدته القيم قبل الحجر .
إنه تدمير للحياة كما ينبغي أن تُعاش : إنسانياً، اجتماعيا ، وأخلاقيا .
الوطن ليس فكرة مجردة … إنه صورتنا الكبرى .
هو انعكاس لما نحن عليه ، لا لما ندّعيه. إن صلحنا، صلح ، وإن فسدنا، تشوّه .
الوطن هو سفينتنا نحو المستقبل ، فإن نخرناها بأنانيتنا وغبائنا ، غرقنا جميعا .
بيوتنا تمنحنا الدفء ، لكن الوطن يمنحنا المعنى .
الأول يحتضننا، والثاني يعرّفنا .
فلا تنتظر البناء من أهل الخراب، ولا تنتظر النور من صانعي الظلام .
الخيار واضح ، لا يحتمل المراوغة :
إما أن نكون جديرين بهذا الوطن ، نعيش له ونخدمه بصدق …
أو نكون عبئا عليه ، نسرّع في سقوطه و انهياره .

