تونس 24°C

3 ماي 2026

تونس 38°C

3 ماي 2026

الكويت … حين تتحوّل الدبلوماسية إلى درع في وجه الفوضى الرقمية .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في لحظة إقليمية مشحونة بالهشاشة والتوتر، تعود الكويت لتثبت أنها ليست مجرد طرف في معادلة الخليج ، بل عقلٌ يوازن بين الانفعال والحكمة ، وصوتٌ يعلو بالاتزان في زمن الضجيج .
فموقفها داخل مداولات الاتحاد الدولي للاتصالات في جنيف لم يكن ردّ فعل عابرا ، بل تعبيرا عن عقيدة دبلوماسية متجذّرة ، تُحسن الجمع بين صلابة الموقف ورصانة الأسلوب .
لقد اختارت الكويت أن تخوض معركتها من داخل الشرعية الدولية ، لا من هوامشها ، مستندة إلى أدوات القانون الدولي ومنصّات العمل متعدد الأطراف ، في مواجهة ما تعتبره اعتداءات خطيرة طالت البنية التحتية المدنية للاتصالات في المنطقة .
وهو خيار يكشف وعيا متقدّما بطبيعة الحروب الجديدة ، حروب لم تعد تُخاض بالصواريخ وحدها ، بل تُدار أيضاً عبر الشبكات ، حيث تصبح الكابلات الرقمية شرايين حياة ، واستهدافها ضربٌ للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي معا .
ولم يكن التحرك الكويتي مجرّد إدانة ، بل حمل في طياته إنذارا استراتيجيا من مغبة الانزلاق نحو فوضى رقمية مفتوحة ، خصوصا في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز ، حيث يكفي خلل تقني أو هجوم سيبراني محدود لإحداث ارتدادات تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي برمّته .
هنا، يتجلّى البعد الاستباقي في الدبلوماسية الكويتية ، التي لا تكتفي بقراءة اللحظة ، بل تستشرف ما بعدها .
وفي خضم هذا التوتر، حافظ الخطاب الكويتي على تماسكه المهني ، مبتعدا عن الانجرار إلى لغة التصعيد أو السجالات الدعائية ، ومتمسّكا بحجج قانونية دقيقة . فالكويت تدرك أن معارك العصر لا تُحسم فقط في الميدان ، بل تُكسب أيضاً داخل المؤسسات الدولية ، حيث تُصاغ الشرعيات وتُبنى المصداقيات.
أما في العمق، فإن ما تدافع عنه الكويت يتجاوز حادثة بعينها ، ليطال جوهر مفهوم السيادة في العصر الرقمي .
فالدولة اليوم لا تحمي حدودها الجغرافية فحسب ، بل تؤمّن فضاءها السيبراني أيضا ، باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي .
ومن هنا، يكتسب دعمها للجهود الدولية الرامية إلى تجريم الهجمات السيبرانية وحماية البنى التحتية الحيوية ، بعدا استراتيجيا يتجاوز الإقليم نحو النظام الدولي ككل .
غير أن الرسالة الأبلغ في هذا الموقف تكمن في تلك المعادلة الدقيقة التي ترسمها الكويت : لا تصعيد بلا ضرورة ، ولا صمت أمام الانتهاك .
إنها دبلوماسية تعرف كيف تضبط الإيقاع ، دون أن تفرّط في الحق ، وتُثبت أن دول الخليج قادرة على أن تكون فاعلا مسؤولا ، لا مجرد متلق لتداعيات الأزمات .
بهذا المعنى ، لا يُختزل الموقف الكويتي في بيان إدانة ، بل يرتقي إلى رؤية سياسية متكاملة، تسعى إلى ترسيخ نظام إقليمي منضبط، وصيانة الفضاء الرقمي من الانفلات ، والتأكيد على أن الاستقرار لم يعد ترفا سياسيا ، بل ضرورة وجودية في عالم تتشابك فيه المصالح بقدر ما تتعاظم فيه المخاطر .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية