بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
أن تطأ قدما رئيس سوريا عتبة البيت الأبيض بعد عقدين من القطيعة والعقوبات ، ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل زلزال سياسي يبدّل وجه الشرق الأوسط . فاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنظيره السوري أحمد الشرع في واشنطن ، يكرّس تحوّلا جذريا في هندسة التحالفات الإقليمية ، ويضع حدا لمرحلة العزلة التي طبعت علاقة دمشق بالعالم. فها هي سوريا، التي كانت تُقدَّم لسنوات بوصفها ” دولة مارقة ” ، تدخل اليوم من أوسع أبواب الشرعية الدولية.
البداية كانت من نيويورك، حيث تبنّى مجلس الأمن بأغلبية كاسحة قرارا يقضي بشطب اسم الشرع و وزير داخليته من لوائح الإرهاب .
القرار، الذي صاغته واشنطن نفسها، تجاوز البعد القانوني إلى ما هو أعمق : إعلان إرادة سياسية بإنهاء المقاطعة وفتح صفحة جديدة مع دمشق .
تصويت أربع عشرة دولة لصالح القرار، مقابل امتناع الصين فقط ، يعكس تحوّلا في المزاج الدولي ، وإقرارا بأن سياسة العزل لم تعد تجدي ، وأن استقرار سوريا بات ضرورة لأمن الإقليم والعالم .
لكنّ الرسائل المضمنة وراء مثل هذا الانفتاح تفوق في معناها ما يقال علنا . فالدعوة الأميركية للشرع جاءت في لحظة دقيقة ، تتزامن مع استعداد دمشق للانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة ” داعش ” . الولايات المتحدة التي كانت تصف النظام السوري بـ ” محور الشر ” ، باتت تراه اليوم شريكا ضروريا في مكافحة الإرهاب ، وتدرس إقامة قاعدة قرب العاصمة السورية لتنسيق الجهود العسكرية والإنسانية ومراقبة التوازنات الأمنية مع إسرائيل. إنها عودة أميركية إلى الساحة السورية، ولكن هذه المرة بثوب الشراكة لا المواجهة .
الشرع، الذي وصل إلى الحكم بعد إطاحة بشار الأسد في ديسمبر الماضي، يدرك أن مهمته مزدوجة : أن يقدّم للعالم صورة زعيم إصلاحي يقود بلاده نحو إعادة الإعمار والمصالحة ، وأن يقنع السوريين بأن انفتاحه على واشنطن لا يعني التفريط بالسيادة . لذلك جاءت زيارته إلى البيت الأبيض بعد مشاركته في مؤتمر المناخ بالبرازيل ، في إشارة واضحة إلى أن سوريا الجديدة تريد أن تكون جزءا من الحلول الكونية لا من مشاهد النزاع.
أما في الخلفية، فتقف موسكو وبكين في موقع المراقب الحذر. روسيا، التي وافقت على القرار الأممي، تقرأ في الخطوة اعترافا بانتصار الواقعية السياسية التي طالما دافعت عنها.
أما الصين، فاختارت الامتناع عن التصويت خشية انعكاس الخطوة على ملف ” الأويغور ” في سوريا. ومع ذلك، فإن عدم اعتراض أي من القوتين العظميين يؤكد أن الجميع بات مستعدا لتسويات جديدة تحفظ مصالحه في مرحلة ما بعد العواصف.
لقاء ترمب والشرع لا يعبّر فقط عن مصالحة ثنائية، بل عن تحوّل أعمق في التفكير الأميركي .
فالبيت الأبيض الذي قاد حروبا طويلة تحت شعار ” محاربة الإرهاب ” ، بات اليوم يعقد الصفقات مع من كان يدرجهم في خانة الأعداء. إنه انتقال من منطق العداء الأيديولوجي إلى الواقعية البراغماتية، ومن سياسة الإقصاء إلى فنّ إدارة النفوذ عبر التفاهمات.
يبقى السؤال الجوهري : هل تستطيع دمشق أن تحافظ على استقلال قرارها وسط هذا الانفتاح الكبير؟ وهل سيتمكّن الشرع من تحويل الدعم الدولي إلى استقرار داخلي يعيد لسوريا وحدتها ومكانتها؟ .
في المقابل، يراهن ترمب على أن استعادة واشنطن حضورها في المشرق تمرّ عبر البوابة السورية. وبين هذين الرهانين، تبقى الشعوب وحدها من سيدفع الثمن أو يجني الثمار.
ما يجري اليوم ليس زيارة دبلوماسية عادية، بل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة.
فالبيت الأبيض الذي كان يوماً رمزا للعقوبات ، يفتح أبوابه اليوم باسم ” الواقعية الجديدة ” . إنها نهاية زمن العداء المطلق، وبداية زمن التفاهمات الكبرى، حيث تُعاد كتابة خرائط الشرق الأوسط بلغة المصالح لا الخصومات.


