بقلم : بوبكر الصغير
لايختلف اثنان و لا يتناطح عنزان ، انّ تونس تشهد اليوم واحدة من أعمق التحولات المجتمعية في تاريخها الحديث ، تحوّل صامت في ظاهره ، مدوٍّ في جوهره ، يقلب سلّم القيم رأسا على عقب.
فالمجتمعات لا تسقط دفعة واحدة ، بل عبر تراكم مستمر لتغيير المعايير ، حتى تصبح الرداءة مقبولة ، ثم عادية ، ثم تمثّل الشعب و ما يريده !!! .
فبدل أن تكون الكفاءة معيارا، والجدارة أساسا، والتميز رافعة للدولة و لصورة المجتمع ، يتقدم إلى واجهة المشهد العام نمط جديد من الفاعلين ، ينتمون إلى الهامش لا إلى نخبه ، ويتصدرون الشأن العام لا بما يحملون من مشاريع أو خبرات و ما يملكونه من تجربة و خبرة و ذكاء ، بل بما يملكون من ضجيج وقدرة على ملء الفراغ .
إن صعود قوى الهامش إلى مقدمة المشهد العام ، ليس مجرد حادث سياسي عابر، بل هو تعبير عن خلل عميق في الثقافة العامة وفي مؤسسات الانتقاء والتمثيل .
الهامش هنا ليس فقرا اجتماعيا أو جغرافيا ، بل هامش فكري وأخلاقي وقيمي ، هامش يعتمد على الاستعراض والتجييش بدل المعرفة و الذكاء ، وعلى الفوضى بدل البناء ، وعلى التهريج بدل المسؤولية .
لا يمكن فهم هذا التحوّل دون التوقف عند السيدة النائبة زينة جابالله ، التي أصبحت رغم حداثة حضورها ، عنوانا صارخا لهذه المرحلة.
فالرمز هنا مهمّ بقدر ما هو صادم : شخصية بلا تجربة سياسية ، بلا تكوين معرفي واضح ، بلا مسار مهني يبرّر الارتقاء إلى مؤسسة يفترض أن تكون تجسيدا للعقل الجماعي لوطن و لأمة.
ومع ذلك، أصبحت في موقع التأثير، بل في موقع الهيمنة على النقاش العام ، في مفارقة تُبرز حجم الانهيار في منظومة الانتقاء السياسي .
لم تعد الكفاءات هي التي تُصنع في تونس، بل المتفوّقون في الضجيج .
تونس التي كانت تقدَّم لعقود كنموذج متميز للذكاء ، و للمعرفة ، و للطبقة الوسطى الصاعدة ، وللنخب التي تصنع قيمتها بالكفاءة والصرامة و الذكاء والإبداع ، تجد نفسها اليوم أمام انقلاب كامل في نموذجها المجتمعي : من مجتمع يصنع نخبا و كفاءات نيرة ، إلى مجتمع يفسح المجال لمن يمثّلون تراجع الذوق العام .
من مجتمع يفتخر بالأساتذة والمهندسين والأطباء و الناشطين في فضائه المدني ، إلى مجتمع تُدار فيه الحياة العامة بمنطق العشوائية .
من إرث دولة استقلال التي جعلت من التعليم بوابة للرقي ، إلى لحظة سياسية تكاد تكرّس الجهل باعتباره شرعية جديدة.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس صعود هذه القوى الهامشية ، بل غياب النخب.
فالصمت، و الاستقالة ، والانسحاب، واللامبالاة ، مكّنت هذا الخطاب الجديد من التغلغل حتى أصبح السائد في الحياة العامة .
ما تعيشه تونس اليوم هو أكبر وأعمق تغيير في نموذجها المجتمعي منذ الاستقلال.
ليس تغييرا اقتصاديا ولا مؤسساتيا فحسب ، بل تغيير جذري في معنى النجاح نفسه : النجاح الذي لم يعد يقاس بالمعرفة و بالتميز الدراسي ، بل بالظهور.
و الجدارة التي لم تعد تكسب بالجهد و بالعمل، بل بالصوت المرتفع و الضجيج .
السياسة التي لم تعد فنّ إدارة الممكن ، بل استعراضا دائما لسلوكيات من خارج منطق الدولة .
هذه التحولات على خطورتها ، ليست بلا ثمن. إنها تضرب في العمق صورة التونسي التي صنعت عبرامثر من نصف قرن :
صورة الإنسان الذكي ، المتعلم، المبدع، الذي تميّز في محيطه ، عربيا وإفريقيا بل حتى كونيا ، وفي كل فضاء وصل إليه.
اليوم، يطلّ هذا التونسي في الإعلام الدولي من خلال مشاهد صادمة ، لاشخاص يتصرفون بانفعال وانفلات ، فتنهار صورة التونسي المتعقّل ويحلّ مكانها تونس صاخبة ، تونس مشوّشة، بلا مرجعية قيمية واضحة .
الخطر الأكبر ليس في صعود زينة جابالله وأمثالها إلى البرلمان ، بل في أن يتحوّل حضورهم إلى مرجعية جديدة ، وأن تصبح السياسة في تونس تطبيعا مع التفاهة لا استثناء لها.
تونس اليوم أمام معركة حقيقية :
معركة ليس فيها سلاح ولا عنف ، بل معركة معايير.
إنقاذ المجتمع لن يكون بمجرد إصلاحات اقتصادية فقط ، بل بإعادة الاعتبار للكفاءة ، للعقل ، للتميز ، للنخب ، للفكرة، وللمعنى.
فبدون ذلك، سيتحوّل شيئا فشيئا إلى مساحة مفتوحة لمن يتقنون الضجيج… لا لمن يتقنون البناء فعلا


