تونس 9°C

2 أفريل 2026

تونس 38°C

2 أفريل 2026

الانهيار الصامت: كيف ابتلع الهامش المجتمع وغيّر وجه التونسي !!.

بقلم : بوبكر الصغير

لايختلف اثنان و لا يتناطح عنزان ، انّ تونس تشهد اليوم واحدة من أعمق التحولات المجتمعية في تاريخها الحديث ، تحوّل صامت في ظاهره ، مدوٍّ في جوهره ، يقلب سلّم القيم رأسا على عقب.
فالمجتمعات لا تسقط دفعة واحدة ، بل عبر تراكم مستمر لتغيير المعايير ، حتى تصبح الرداءة مقبولة ، ثم عادية ، ثم تمثّل الشعب و ما يريده !!! .
فبدل أن تكون الكفاءة معيارا، والجدارة أساسا، والتميز رافعة للدولة و لصورة المجتمع ، يتقدم إلى واجهة المشهد العام نمط جديد من الفاعلين ، ينتمون إلى الهامش لا إلى نخبه ، ويتصدرون الشأن العام لا بما يحملون من مشاريع أو خبرات و ما يملكونه من تجربة و خبرة و ذكاء ، بل بما يملكون من ضجيج وقدرة على ملء الفراغ .
إن صعود قوى الهامش إلى مقدمة المشهد العام ، ليس مجرد حادث سياسي عابر، بل هو تعبير عن خلل عميق في الثقافة العامة وفي مؤسسات الانتقاء والتمثيل .
الهامش هنا ليس فقرا اجتماعيا أو جغرافيا ، بل هامش فكري وأخلاقي وقيمي ، هامش يعتمد على الاستعراض والتجييش بدل المعرفة و الذكاء ، وعلى الفوضى بدل البناء ، وعلى التهريج بدل المسؤولية .
لا يمكن فهم هذا التحوّل دون التوقف عند السيدة النائبة زينة جابالله ، التي أصبحت رغم حداثة حضورها ، عنوانا صارخا لهذه المرحلة.
فالرمز هنا مهمّ بقدر ما هو صادم : شخصية بلا تجربة سياسية ، بلا تكوين معرفي واضح ، بلا مسار مهني يبرّر الارتقاء إلى مؤسسة يفترض أن تكون تجسيدا للعقل الجماعي لوطن و لأمة.
ومع ذلك، أصبحت في موقع التأثير، بل في موقع الهيمنة على النقاش العام ، في مفارقة تُبرز حجم الانهيار في منظومة الانتقاء السياسي .
لم تعد الكفاءات هي التي تُصنع في تونس، بل المتفوّقون في الضجيج .
تونس التي كانت تقدَّم لعقود كنموذج متميز للذكاء ، و للمعرفة ، و للطبقة الوسطى الصاعدة ، وللنخب التي تصنع قيمتها بالكفاءة والصرامة و الذكاء والإبداع ، تجد نفسها اليوم أمام انقلاب كامل في نموذجها المجتمعي : من مجتمع يصنع نخبا و كفاءات نيرة ، إلى مجتمع يفسح المجال لمن يمثّلون تراجع الذوق العام .
من مجتمع يفتخر بالأساتذة والمهندسين والأطباء و الناشطين في فضائه المدني ، إلى مجتمع تُدار فيه الحياة العامة بمنطق العشوائية .
من إرث دولة استقلال التي جعلت من التعليم بوابة للرقي ، إلى لحظة سياسية تكاد تكرّس الجهل باعتباره شرعية جديدة.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس صعود هذه القوى الهامشية ، بل غياب النخب.
فالصمت، و الاستقالة ، والانسحاب، واللامبالاة ، مكّنت هذا الخطاب الجديد من التغلغل حتى أصبح السائد في الحياة العامة .
ما تعيشه تونس اليوم هو أكبر وأعمق تغيير في نموذجها المجتمعي منذ الاستقلال.
ليس تغييرا اقتصاديا ولا مؤسساتيا فحسب ، بل تغيير جذري في معنى النجاح نفسه : النجاح الذي لم يعد يقاس بالمعرفة و بالتميز الدراسي ، بل بالظهور.
و الجدارة التي لم تعد تكسب بالجهد و بالعمل، بل بالصوت المرتفع و الضجيج .
السياسة التي لم تعد فنّ إدارة الممكن ، بل استعراضا دائما لسلوكيات من خارج منطق الدولة .
هذه التحولات على خطورتها ، ليست بلا ثمن. إنها تضرب في العمق صورة التونسي التي صنعت عبرامثر من نصف قرن :
صورة الإنسان الذكي ، المتعلم، المبدع، الذي تميّز في محيطه ، عربيا وإفريقيا بل حتى كونيا ، وفي كل فضاء وصل إليه.
اليوم، يطلّ هذا التونسي في الإعلام الدولي من خلال مشاهد صادمة ، لاشخاص يتصرفون بانفعال وانفلات ، فتنهار صورة التونسي المتعقّل ويحلّ مكانها تونس صاخبة ، تونس مشوّشة، بلا مرجعية قيمية واضحة .
الخطر الأكبر ليس في صعود زينة جابالله وأمثالها إلى البرلمان ، بل في أن يتحوّل حضورهم إلى مرجعية جديدة ، وأن تصبح السياسة في تونس تطبيعا مع التفاهة لا استثناء لها.
تونس اليوم أمام معركة حقيقية :
معركة ليس فيها سلاح ولا عنف ، بل معركة معايير.
إنقاذ المجتمع لن يكون بمجرد إصلاحات اقتصادية فقط ، بل بإعادة الاعتبار للكفاءة ، للعقل ، للتميز ، للنخب ، للفكرة، وللمعنى.
فبدون ذلك، سيتحوّل شيئا فشيئا إلى مساحة مفتوحة لمن يتقنون الضجيج… لا لمن يتقنون البناء فعلا

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية