بقلم: الأستاذ عبد السلام أحمد
شهد الشرق الأوسط منذ نهاية القرن العشرين تصاعدًا خطيرًا في نشاط الجماعات الجهادية التي اتخذت من الفكر المتطرف والعنف وسيلة لفرض رؤيتها الدينية والسياسية. وقد ساهمت عوامل متعددة في صعود هذه الجماعات، أبرزها الفشل في بناء دول مدنية عادلة، والتدخلات الأجنبية، والانقسامات الطائفية والمذهبية، إضافة إلى الفقر والتهميش وغياب العدالة الاجتماعية.
تتنوع هذه الجماعات من حيث الأيديولوجيا والتموضع الجغرافي، غير أنها تجتمع على هدف واحد: تقويض الدولة الوطنية وفرض مشروعها الخاص، غالبًا بالقوة والإرهاب. إذ تسعى تنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة” وفروعهما إلى تفكيك الدولة الحديثة وإقامة ما تسميه “الخلافة” أو “الإمارة”، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع الدول ومؤسساتها، ويؤدي إلى زعزعة السيادة الوطنية.
وتعتمد هذه الجماعات خطابًا تكفيريًا يستهدف الشيعة والمسيحيين والعلويين والدروز والأيزيديين وغيرهم من المكونات. وغالبًا ما تلجأ إلى إذكاء الصراعات المذهبية لضرب النسيج الاجتماعي، كما حدث في العراق وسوريا. ونتيجة لذلك، شكلت تهديدًا وجوديًا للأقليات الدينية والعرقية، حيث ارتكبت جرائم إبادة ضد الإيزيديين في شنكال، والمسيحيين في الموصل، واستهدفت علماء الدين المعتدلين وكل من رفض فكرها. كما شهدنا مجازر دامية في مناطق مثل الساحل والسويداء.
إلى جانب ذلك، عرقلت هذه الجماعات مسارات التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي عبر التفجيرات الانتحارية، وعمليات الاغتيال، والسيطرة على مناطق واسعة، كما فعل “داعش” في الرقة والموصل. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ إن بعض القوى الإقليمية والدولية استغلت هذه الجماعات كأدوات نفوذ أو تخريب داخل الدول الأخرى، ما زاد المشهد الأمني والسياسي تعقيدًا وأدى إلى صراعات بالوكالة في دول مثل سوريا وليبيا واليمن.
إن الخطر الذي تمثله الجماعات الجهادية لا يقتصر على العنف والإرهاب فحسب، بل يمتد ليطال بنية الدولة والمجتمع والهوية، ويقوّض أي أفق لبناء شرق أوسط تعددي وديمقراطي ومستقر. ومن هنا، فإن مواجهتها لا يجب أن تكون أمنية فقط، بل شاملة على المستويات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، من خلال تعزيز العدالة والمواطنة وتجفيف منابع التطرف.

