بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في اللحظة التي كان يُفترض فيها أن تنشغل سوريا بإعادة ترتيب أولوياتها السياسية بعد أكثر من عقد من الحرب ، يعود منطق القوة ليُفرض مجددا كخيار شبه وحيد في إدارة العلاقة مع شمال وشرق البلاد.
فالضربات التي تستهدف ” قوات سوريا الديمقراطية ” ، مقرونة بالدعم التركي المعلن لأي عملية عسكرية ضدها ، لا يمكن فصلها عن مأزق أعمق تعيشه الدولة السورية في تعريف معنى السيادة وحدودها ، خاصة حين تتقاطع مع حقوق مكوّنات أساسية من المجتمع.
ما يجري اليوم ليس اشتباكا عسكريا عابرا مع فصيل مسلح ، بل مواجهة سياسية مؤجلة مع القضية الكردية في سوريا .
الأكراد، الذين شكّلوا تاريخيا جزءا أصيلا من النسيج الوطني ، يُعاد وضعهم مرة أخرى في خانة الاتهام ، لا بوصفهم شركاء محتملين في إعادة بناء الدولة ، بل كـ ” إشكالية أمنية ” يجب احتواؤها بالقوةد. هذا الاختزال يتجاهل حقيقة أساسية : نشوء ” قسد ” لم يكن خيارا أيديولوجيا بقدر ما كان نتاجا مباشرا لفراغ الدولة وانهيار مؤسساتها في لحظة مفصلية من الصراع .
أما التدخل التركي، الذي يُسوَّق له تحت عناوين حماية الأمن القومي ومحاربة الإرهاب ، فيعكس في جوهره خوفا بنيويا من أي تجربة حكم ذاتي كردية ، حتى لو جاءت ضمن حدود دولة قائمة .
حين يُسقَط هذا الخوف على الساحة السورية ، يتحول إلى عامل تأزيم إضافي ، لأنه لا يميّز بين مطالب سياسية مشروعة وتهديدات أمنية عابرة للحدود . وبدلا من الدفع نحو تسوية سورية – سورية ، يُكرّس منطق الإملاء بالقوة ، ويُعيد إنتاج مناخات الصدام بدل تفكيكها.
المفارقة اللافتة أن الخطاب الرسمي يرفع شعار ” سوريا الواحدة ” و ” السيادة الكاملة ” ، بينما تُدار هذه السيادة عمليا بمنطق الإقصاء .
فلا دولة تستعيد وحدتها بإنكار التعدد ، ولا سلطة تبني استقرارا دائما بالسلاح وحده .
والتجربة السورية نفسها أثبتت أن القوة قد تُخضع الجغرافيا مؤقتا ، لكنها تعجز عن كسب الشرعية أو بناء الثقة ، وهما الركيزتان الأساسيتان لأي دولة قابلة للحياة .
الأخطر أن هذا التصعيد يحمل في طياته مخاطر أمنية تتجاوز أطراف الصراع المباشر.
فالفوضى الناتجة عن تعدد الجبهات وتآكل التفاهمات المحلية تفتح الباب واسعا أمام عودة التنظيمات المتطرفة ، وفي مقدمتها ” داعش ” ، التي لطالما ازدهرت في البيئات الهشة والمنقسمة. وهنا يصبح التعامل الأمني الضيق مع ” قسد ” مقامرة بأمن المنطقة بأسرها ، لا ورقة ضغط محسوبة العواقب.
إن تصوير الأكراد كعقبة أمام ” اندماج سوريا في المجتمع الدولي ” يتجاهل حقيقة بديهية : لا استقرار حقيقيا يقوم على إقصاء مكوّن كامل ، ولا تسوية قابلة للاستمرار تُبنى على فرض اندماج قسري يُفرغ أي اتفاق من مضمونه السياسي .
فالمطلوب ليس تفكيك الهياكل بالقوة ، بل معالجة الأسباب التي أفضت إلى نشوئها ، عبر عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف ، ويؤسس لشراكة قائمة على الحقوق لا على التطمينات المؤقتة.
انّ القضية الكردية في سوريا ليست ملفا أمنيا طارئا ، بل سؤالا مؤجلا عن شكل الدولة ، وطبيعة الحكم ، وحدود الاعتراف بالتعدد. والحكم الذاتي الذي يطالب به الأكراد لا يعني بالضرورة التقسيم ، بقدر ما يعكس بحثا عن ضمانات سياسية وإدارية داخل دولة طالما عجزت عن استيعاب تنوعها.
بين منطق القوة ومنطق الشراكة، تقف سوريا اليوم أمام مفترق حاسم : إما دولة تعيد بناء نفسها على أساس الاعتراف والتوازن ، أو دولة تواصل إدارة أزماتها بالإنكار والقصف ، لتبقى السيادة شعارا مرفوعا فوق واقع هش . وفي هذا الخيار، لا يكون الأكراد وحدهم الخاسرين ، بل فكرة الدولة السورية ذاتها .



