تونس 25°C

18 ماي 2026

تونس 38°C

18 ماي 2026

ترمب وإيران : صراع على تعريف المستقبل…بين وهم الصفقة وهاوية القوة !.

بقلم : أ. حذامي محجوب (رئيس التحرير)

دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملف الإيراني كما يدخل لاعبٌ إلى ساحة يثق بأنها مسرحه وحده .
لا رسائل دبلوماسية ناعمة، ولا تدرّج في الخطاب ، بل إعلانٌ صريح بأن الأزمة مع ايران ليست مجرّد فصل من فصول السياسة الأميركية، بل امتحان مباشر لهيبة الولايات المتحدة ، و مدى قدرتها على رسم حدود اللعبة في الشرق الأوسط.
منذ سنة 1979، والعلاقة بين طهران و واشنطن تتحرك بين الظل والضوء : حروب بالوكالة ، رسائل غير معلنة ، وضبطٌ محسوب لتوتر لا ينفجر تماما ولا يهدأ بالكامل .
لكن لحظة اليوم شيء آخر ، أشبه بكشف كامل للأوراق على طاولة واحدة ، لا يفصلها مسرح وسيط ولا وسطاء رماديون .
ترمب لا يطلب من إيران مجرد تعديل تقني في برنامجها النووي .
ما يريده، عمليًا، هو إعادة تعريف الهوية الإستراتيجية لطهران : قطع أذرع النفوذ الممتدة خارج الحدود ، إعادة بناء فلسفة التدخل غير المباشر ، و القبول بدور “دولة طبيعية” داخل نظام إقليمي يتغيّر بسرعة ويُقلّص مساحات المغامرة .
لكن طهران ترى في هذه الشبكات “ عمقها الاستراتيجي الحيوي ”، وفي التراجع عنها تهديد لمعادلة صمدت أربعة عقود .
تبدو الامور اليوم أكثر قسوة وتعقيدا .
إيران أنهكتها العقوبات ، والمجتمع يواجه ضغوطا اقتصادية ثقيلة ، والإقليم يتحوّل نحو التنمية والاستقرار . وفي المقابل، يرفع ترمب سقف الشروط : برنامج نووي مضبوط، صواريخ مقيدة ، وتراجع قوي عن دعم القوى الحليفة .
المعضلة هنا لا تتعلق بالقدرة التقنية على تقديم تنازل ، بل بالسؤال الوجودي : هل يمكن لإيران أن تغيّر دورها من دون أن تهزّ توازناتها الداخلية ؟.
النظام الإيراني بَنى جزءا كبيرا من شرعيته على سردية “ المقاومة و الصمود و المواجهة ”، وأي ليونة واسعة قد تُقرأ في الداخل كانكسار، بينما أي تصعيد قد يفتح بوابات لا يمكن إغلاقها بسهولة .
على الضفة الأخرى، يمارس ترمب ما يشبه “ دبلوماسية الحافة ” : ضغط اقتصادي خانق ، رسائل عسكرية متوترة ، وإيحاء دائم بأن الزناد ليس بعيدا ، رغم تفضيله الواضح لصفقة كبيرة تمنحه انتصارا سياسيا سهل العرض على جمهوره .
وفي قلب هذه اللوحة ، تبدو عواصم الإقليم أكثر ميلا إلى التهدئة ، إدراكًا منها أن أي انفجار واسع لن يترك أحدًا خارج دائرة النار. وحده بنيامين ناتانياهو يظهر أكثر توترًا ، خشية أن تنتهي المفاوضات بـ” تسوية ناقصة ” لا تُنهي مخاوفه الأمنية .
لقد وصلنا إلى لحظة شدّ استثنائية : لا هي حرب شاملة ، ولا هي هدنة مستقرة .
بل منطقة رمادية يقف فيها الشرق الأوسط على حافة طريقين :
انفراج مشروط يعيد ترتيب دور إيران في محيطها الاقليمي ، أو انزلاق حاد نحو مواجهة لا تُشبه أيًّا من حروب الظل السابقة.
إن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة اليوم لم تعد نزاعا ثنائيا .
إنها مرآة تتبدّى فيها إعادة تشكيل موازين القوة عالميا.
انّ السؤال لم يعد : من سيكسب الجولة؟
بل : من يملك القدرة على إعادة تعريف موقعه في نظام دولي سريع الحركة ، لا يرحم المترددين ولا ينتظر المتعبين.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية