بقلم أبوبكر الصغير.
في لحظة يختلط فيها الضجيج بالحقيقة ، وتُرفع فيها الشعارات أعلى من الوقائع ، يصبح من واجب الكلمة أن تُعيد ترتيب البوصلة ، لا بالعاطفة وحدها ، بل بما تكشفه الأرقام حين تجرؤ على الكلام .
لسنوات طويلة ، حاولت إيران أن تُقدّم نفسها كحارسة امينة لقضية فلسطين ، كصوت مقاوم عال في وجه إسرائيل ، وكراية ترفع باسم “ المقاومة ”.
لكن ما الذي تقوله الوقائع حين ننزع عنها غبار الخطابات ؟.
فالأرقام لا تجامل أحدا .
منذ اندلاع هذه الحرب ، لم تكن الصواريخ الإيرانية تتجه أساسا نحو إسرائيل كما يُروّج ، بل انحرفت بوضوح نحو عمق الخليج العربي . نحو المملكة العربية السعودية و الإمارات و الكويت و البحرين و قطر و حتى سلطنة عمان ، دولٌ لم تُعلن حربا ، ولم تُطلق رصاصة ، لكنها وجدت نفسها فجأة في مرمى نيران لا تُخطئ الاتجاه .
83% من الهجمات ، نعم، ثلاثة وثمانون في المائة من الصواريخ والمسيّرات ، لم تُوجَّه إلى “ العدو المُعلن ” لايران ، بل إلى دول. عربية مسلمة ، إلى مدن آهلة ، إلى منشآت مدنية ، إلى اقتصاد يُطعم شعوبا بأكملها .
في المقابل ، لم تتجاوز نسبة ما وُجّه إلى إسرائيل 17% فقط .
أيُّ قضية. ، و أيّ مقاومة هذه التي تُصيب أشقاءها أكثر مما تصيب خصومها ؟.
وأيّ فلسطين هذه التي تُستدعى في الخطب، وتُغيب في مسار الصواريخ ؟.
حين تُطلق إيران أكثر من أربعة آلاف صاروخ ومسيّرة على الخليج ، مقابل أقل من ألف على إسرائيل ، فإن المسألة لم تعد قابلة للتأويل أو التبرير .
لم تعد مجرد “ أخطاء تكتيكية ” أو “ رسائل ضغط ”، بل تحوّلت إلى معادلة واضحة : العدو الحقيقي، في الممارسة لا في الخطاب ، ليس حيث تقول طهران ، بل حيث تُوجّه نيرانها .
إن استهداف الإمارات العربية المتحدة بأكثر من ألفي هجمة ، و الكويت بمئات الضربات، و المملكة العربية السعودية بعشرات الموجات الصاروخية ، لا يمكن تفسيره تحت أي عنوان سوى عنوان واحد : إعادة تعريف العدو .
والمؤلم في كل هذا ، ليس فقط حجم العدوان ، بل حجم الخديعة .
خديعة او كذبة “ نصرة فلسطين ” التي تُستخدم كغطاءٍ عاطفي يستجدي تعاطفا شعبيا عربيا اسلاميا ، بينما تُدار الحروب في اتجاه آخر ، وتُحسم الأولويات على حساب دم عربيّ لا يُذكر في البيانات .
انّ فلسطين ، التي تسكن وجدان كل عربي ، لا تحتاج إلى من يرفع اسمها ليقصف به جيرانه . و لا تحتاج إلى من يحوّل قضيتها إلى أداة في صراع النفوذ .
فالقضية التي تُستخدم ، تفقد شيئا من عدالتها في أعين الناس ، مهما كانت عادلة في أصلها .
لقد كشفت هذه الأرقام ، ببرودها القاسي ، ما لم تكشفه الخطب الحماسية : أن البوصلة الحقيقية ليست حيث تُقال ، بل حيث تُوجَّه الصواريخ .
و حين تتناقض الكلمات مع النار ، نُصدّق النار ، فمحن الحياة تنضج الإنسان على نار الألم .



