بقلم أبوبكر الصغير.
في هذا الزمن الذي تختلط فيه الأصوات ، وتعلو فيه نبرة التهديد على لغة العقل ، تبرز المملكة العربية السعودية كصوت مختلف تماما .
تبرز كصوت الحكمة حين يضيع الاتزان ، وصوت الرصانة حين تتسارع الانفعالات.
لم يكن تصريح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود ، مجرد موقف عابر ، او ردّ دبلوماسي عادي ، بل كان خلاصة مسار طويل من التعقّل وضبط النفس .
فحين قال : “على إيران أن تدرك أن التصعيد مع دول الجوار يقابله تصعيد، وصبرنا على إيران له حدود ”، لم يكن يتحدث بلغة التهديد و الوعيد بقدر ما كان يضع حدّا فاصلاً بين الصبر الاستراتيجي المشروع والتهاون المرفوض الذي قد يُفهم منه ضعفا .
لقد اختارت المملكة، عبر سنوات من التوتر ، أن تغلّب صوت الأخوّة الإسلامية على منطق الصدام .
مدت يدها مرارا ، وفتحت أبواب الحوار، وآثرت أن تبقي على خيط من الأمل، رغم ما تراكم من جراح في الجسد العربي والإسلامي . لم يكن ذلك ضعفا ، بل كان إيمانا عميقا بأن وحدة الأمة أكبر من خلافاتها ، وأن الدم الإسلامي يجب أن يبقى خطا أحمر لا يُمس .
لكن في مقابل كل ذاك ، يبدو أن حكّام طهران اليوم اختاروا طريقا آخر … طريقا لا يعبأ بمشاعر الشعوب المسلمة ، ولا يقيم وزنا لقدسية هذا الشهر الفضيل ، حيث تتضاعف القيم الروحية ، وتُستحضر معاني الرحمة والتسامح .
ففي الوقت الذي تتجه فيه القلوب إلى السماء ، وتبحث فيه الأمة عن السكينة ، تُدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر ، وكأن صوت الحكمة لا يجد من يصغي إليه .
إن الفارق هنا ليس فقط في المواقف ، بل في الرؤية .
فالمملكة تنطلق من عمقها الإسلامي ومسؤوليتها التاريخية ، مدركة أن القوة الحقيقية ليست في إشعال النزاعات ، بل في احتوائها . بينما يبدو أن الطرف الآخر يراهن على التصعيد كوسيلة لفرض الحضور، حتى وإن كان الثمن استقرار المنطقة بأكملها.
وفي هذا الشهر المبارك، تتجلّى المفارقة أكثر إيلاما : بين من يستحضر قيم الصيام في الصبر والحِلم ، ومن يتجاهلها في حسابات القوة والنفوذ .
بين من يضبط النفس رغم القدرة ، ومن يندفع رغم العواقب.
إن رسالة المملكة اليوم واضحة ، لكنها نبيلة في جوهرها : السلام خيارٌ أصيل ، لكنه ليس بلا حدود .
والصبر فضيلة ، لكنه لا يعني القبول بالاعتداء .
هكذا تتحدث الدول العظيمة التي تعرف وزنها ، لا بالصخب ، بل بالثبات . ولا بالاندفاع، بل بالحكمة و الرصانة.

