بقلم – ابوبكر الصغير
يُقال عادة إن كل التحيّزات تبدأ من الأمعاء.
والحقّ أن من يعيش في المدينة، لا في البرّية، لا بد أن يواجه سؤالا يوميا بسيطا في ظاهره، عميقا في دلالته: أين يقضي الإنسان حاجته اذا وجد نفسه في الشارع ؟.
قد يبدو الأمر تافها، لكنه في تونس تحديدا يكشف عن خلل عميق في فهم معنى المواطنة، والصالح العام، والكرامة.
فنحن نعيش في بلد لا يعترف، على مستوى البنية التحتية ولا على مستوى التشريعات، بأن للإنسان جسدا له حاجات لا تُؤجل، ولا تقمع، ولا يعاقب عليها.
تونس، رغم كل شعاراتها التحديثية، تظل العاصمة الوحيدة في العالم التي تكاد تخلو من فضاءات عمومية . أو حتى خاصة ، مهيأة لقضاء الحاجة .
لا توجد دورات مياه او خلوات عمومية بالمعنى الحقيقي، ولا حتى في أغلب المقاهي ومحطات النقل.
فهل يعقل أن نطلب من الإنسان احترام الفضاء العام، ونحن لا نوفر له أبسط شروط التعامل معه بكرامة؟.
المفارقة الموجعة أن الجهات المعنية ، من مصالح البيئة إلى البلديات ، تسارع إلى الردع والغرامة إذا تجاوز أحد المواطنين مضطرا، وكأننا أمام قرار تقني بلا خلفية اجتماعية.
ومن يتأمل عمق هذه المفارقة، لا يستطيع أن يغفل عن التشابه مع قرارات أخرى تتخذ باسم البيئة أو التنظيم، مثل منع الأكياس البلاستيكية في المساحات الكبرى، والذي لم يخدم إلا مصالح بعض الشركات المنتجة للبدائل التجارية ، كصناعة حفاظات الكبار والمناديل الورقية ، على حساب الواقع المعاش والاحتياجات الحقيقية.
الأمر يتجاوز البُعد الوظيفي للخلوات او دورات المياه ، فـغيابها يحطّ من كرامة الإنسان، خصوصا النساء وكبار السن والمرضى.
بل إنه يهدد الصحة العامة بشكل مباشر، في بلد ترتفع فيه نسب الأمراض المرتبطة بالنظافة والعدوى البكتيرية.
ومن المذهل أن المجالس البلدية في معظمها ، تتعامل مع المسألة كأنها ستُحلّ من تلقاء نفسها.
لا خطط، لا صيانة، لا رقابة، وكأن القذارة قدر لا مفر منه.
” أرني خلوتك ، أُخبرك من أنت ” ، هكذا يقول مثل متداول في المجتمعات المتقدمة. نحن لا نملك ما نُريه. وما نملكه هو أقرب إلى تجاويف المرض منه إلى مرافق للراحة.
تخيّلوا حجم الحرج الذي يعانيه السيّاح، حين يجدون أنفسهم في مدن وأسواق مكتظة، دون أدنى مرافق صحية تحفظ خصوصيتهم وراحتهم. وتخيّلوا حال المواطن العادي، الذي عليه أن يتحمّل لساعات ، أحيانا غياب هذا الحق البسيط، حتى في قلب المدن الكبرى.
الأنكى من كل هذا، أن ما هو موجود، وعلى قلته خاصة في محطات النقل و الطرقات السيارة ، غالبا ما يكون قذرا ، متهالكا، دون ماء، أو ورق، أو نظافة.
هل فقدنا الحسّ العام تماما؟ .
هل أصبحنا نعاني قذارة في العقول تُشبه تلك التي نجدها في دورات المياه؟
من المفارقات أن بعض أعظم الأفكار في التاريخ ولدت في عزلة الحمّام. الخلوة ، في كثير من الثقافات، هي فضاء للتفكير والتأمل، لا مجرد حفرة للضرورات البيولوجية. قليلون يعرفون أن القدرة على قضاء الحاجة في مكان نظيف و آمن تُحسّن فعليا المزاج، والصحة، وحتى القدرة على اتخاذ القرار!.
الهند أعلنت أن دورات المياه أهم من المعابد ، والصين أطلقت ” ثورة المراحيض ” ، فبنت وحدها 68 ألف وحدة جديدة في سنوات قليلة. أما نحن، فما زلنا ندفن رؤوسنا في الرمال، ونُدين من يضطر للتصريح بجسده.



