تونس 16°C

18 ماي 2026

تونس 38°C

18 ماي 2026

جمهورية المكاتب المغلقة !.

بقلم : ابوبكر الصغير.

لنتفق بدءا ، انه لم تعد أزمة الإدارة أزمة إجراءات فقط، بل أزمة عقليات و ضمائر متكلّسة ، ضمائر فقدت روحها و نبضها ، حتى صار المواطن الذي هو صاحب الحق وغاية الخدمة ، يقف كل يوم أمام جدار صامت اسمه “الإدارة”، وحولها جيوش من الموظفين الذين تحوّل بعضهم ، بفعل قوانين عجيبة ، إلى سلطة فوق المساءلة وفوق حتى أبسط القيم الإنسانية .
لقد أصبحت البيروقراطية لدينا طريقة لاضعاف الواقع ، وإنتاج نسخ مثالية لا وجود لها إلا فوق الورق ، بينما تُدار العلاقة مع السلطة بروح ميكانيكية ، لا ترى في المواطن إلا رقما ، ولا في مطالب الناس إلا تهديدا لامتيازات راسخة .
وهكذا يبقى المواطن خائفا ، مستسلما لهذا الغول الإداري الذي يكفي أن “ يُزعج موظفا ” حتى يجد نفسه متهما .
فالفصل 125 من المجلة الجزائية يضع المواطن تحت سيف العقوبة ، حتى وإن كان المتضرّر الحقيقي ، حتى وإن كان هو الضحية التي تبحث فقط عن حقّها .
هنا يتحوّل الظلم إلى نصّ قانوني ، ويتحوّل الموظف إلى “مظلوم” مهما كان فعله، لأن في بعض الحالات شكاية المواطن تُكيّف فورا على أنها “هضم جانب موظف ”.
والنتيجة؟ أن بعض من يجلسون في مكاتبهم الوثيرة ، بأذهان تعلو ولا تتفاعل ، صاروا يتصرفون كما لو أنهم فوق القوانين وفوق المؤسسات ، لا يعرفون معنى الواجب ، ولا يدركون أن دور الإدارة هو خدمة الناس لا إذلالهم .
انه عقل إداري متعنت ، لا يتطوّر وإن تغيّرت الأبنية ، ولا يتجدد وإن وُفّرت الإمكانيات وتحسّنت ظروف العمل .
هذه الحالة الشاذة سمحت لنا أن نرى كيف تعمل إداراتنا بطريقة مختلفة ، ومخيفة .
حتى ان رئيس الدولة نفسه قال إنه يتلقى يومياً عشرات الشكاوى التي كان من الواجب أن تعالجها الإدارات ذاتها ، وأضاف أن “ الدولة لا تُدار بهذه الطريقة ”، وأن الملفّات العالقة في الإدارات صارت مرآة لأزمة أعمق من القدرة على التنظيم أو حسن التسيير.
المباني جديدة، التجهيزات متطورة، الامتيازات متاحة… لكن العقل بقي قديما .
عقل يرى في المواطن خصما ، وفي الخدمة عبئا ، وفي الإصلاح تهديدا .
لذلك نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى اعادة التفكير في الإدارة العامة ، في مفهوم الدولة، في السياسات العامة، في حدود السلطة، في دور الجهاز الإداري داخل منظومة الحكم الجديدة. في وضع مقاربات قانونية وسياسية واقتصادية، تعيد الاعتبار لتنظيم الدولة بوصفه أداة لخدمة المجتمع لا لتعطيله.
فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تكثُر فيها المكاتب والموظفون، بل تلك التي تُنظّم عملها بطريقة تجعل الأمور تسير من دون الحاجة من وجودها المستمر ، يوم نصل إلى ذلك، نكون قد انتقلنا من إدارة تُرهق الناس ، إلى إدارة تُحرّرهم .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية