تونس 16°C

18 ماي 2026

تونس 38°C

18 ماي 2026

عرب 21… حين يكون الرهان على الوعي لا على العداد.

بقلم أ.حذامي محجوب (رئيس التحرير).

لم نتعامل مع التحول الرقمي بوصفه زلزالا أطاح بالإعلام، ولا بوصفه معجزة تعفي من الجهد.
أدركنا منذ البداية أن الوسائط تتبدل، أما جوهر العمل الصحفي فيبقى: وضوح الرؤية، صلابة الموقف، ونزاهة الكلمة. وحين اخترنا الخط التحريري لموقع عرب 21، لم نضع أمامنا هدف تصدّر المنصات، بل هدفا أكثر صعوبة وأبقى أثراً: بناء علاقة ثقة مع قارئ يعرف لماذا يقرأ، ولماذا يعود.

في زمن تُقاس فيه القيمة بعدد النقرات، بدا لنا أن أخطر اختزال هو مساواة الانتشار بالتأثير. الانتشار قد يتحقق بالاستفزاز، بصور مثيرة، بالمبالغة، أو بالانخراط في جدل صاخب. لكنه يظلّ مؤشراً سطحياً إن لم يتحول إلى اقتناع راسخ داخل شريحة محددة. لذلك لم يكن هاجسنا أن نكون الأعلى تفاعلا، بل أن نكون الأوضح موقفا، والأكثر انسجاما.

ونعترف أن هذا الخيار يحمل طابعا يعكس هويتنا التحريرية أيضاً. فنحن لا نميل إلى الضجيج، ولا نرى في الصخب قيمة بحد ذاته. الظهور لم يكن يوماً غايتنا، ولا نؤمن بأن كل وسيلة مشروعة لمجرد أنها تجلب متابعة. هناك فرق بين الحضور وبين الاستعراض، بين التأثير وبين لفت الانتباه. الأول يُبنى بالصبر، والثاني يُصنع بالإثارة. وقد اخترنا الطريق الأصعب لأنه الأصدق.

تعاملنا مع المنصات الرقمية كأداة ضمن منظومة إعلامية أوسع، لا كخصم ولا كبديل. نعلم أن سلطة ترتيب الأولويات لم تعد حكرا على غرفة التحرير، وأن الجمهور يشارك في تشكيل اللحظة. غير أن المشاركة لا تعني الارتهان.
كنا نقرأ المزاج العام، نفهم آلياته، ونميّز بين الموجة العابرة والتحول العميق. لم نكتب لنُساير كل ترند، بل لنضيف زاوية تحليلية قد تغيب وسط الضجيج.

الأهم من ذلك أننا لم نبحث عن جمهور شامل، بل عن جمهور نوعي. كنا نعي أن الرسالة الدقيقة لا تخاطب الجميع، وأن الوضوح قد يفرز القراء كما يجذبهم. هذا الفرز ليس خسارة، إنه بناء هوية.
الإعلام الذي يحاول إرضاء كل الاتجاهات يفقد ملامحه، أما الإعلام الذي يحدد موقعه بوضوح، فيكسب احترام من يتفق معه ومن يختلف عنه.

في عرب 21، كان الاتساق قيمة استراتيجية. لم نبدّل موقفنا لأن موجة غضب ارتفعت، ولم نُخفف نبرة تحليل لأن خطابا آخر صار رائجا. لأن تعدد الرسائل وفق اتجاه الريح قد يضاعف الأرقام، لكنه يبدد الثقة. قد نحصل على مليون مشاهدة اليوم ومليون غدا، لكن إن كان الخطاب متناقضا، فإن المليون الثانية تمحو أثر الأولى.

كنا ندرك أن السير خارج الخط المتداول، والتمسك بالتحليل الرصين في لحظة انفعال عام، قد لا يجلب أعلى التفاعلات. لكننا لم نعتبر ذلك مخاطرة، بل ضرورة أخلاقية ومهنية. فالكاتب أو المؤسسة التي تخشى الصدق لأنه لا ينسجم مع المزاج السائد، تفقد جوهر دورها. وكما قال أبو القاسم الشابي:
“النُّورُ فِي قَلْبِي وَبَيْنَ جَوانِحِي
فَعَلامَ أَخْشَى السَّيْرَ فِي الظُّلْمَاءِ.”
حين يكون النور هو القناعة الصادقة والالتزام المهني، لا يعود الخروج عن السائد سبباً للخوف، بل يصبح شرطاً للاستقلال.

لم نُغْرَ بإغراءات التضخيم السريع، ولا استبدلنا الكفاءة بالولاء، ولا التحليل بالشعار. لأننا نؤمن أن الرسالة التي لا يحملها اقتناع حقيقي ستنكشف سريعا مهما بلغ صداها. التأثير الحقيقي أبطأ، لكنه أعمق. قد لا يظهر في تقارير التفاعل اليومية، لكنه يتجلى في رسائل القراء، في استمرارية المتابعة، وفي تراكم الاحترام الذي نحصدُه كل يوم.

كما تعاملنا مع المنصات بعقلية المسوّق الواعي لا الهاوي المنبهر: من هو جمهورنا؟ ماذا نريد أن نحقق؟ ما العائد المعنوي والفكري من هذا الطرح؟ ليس كل انتشار مكسبا، وليس كل جدل استثمارا ناجحا. قد نحصد ملايين المشاهدات من جمهور لا يعنينا استراتيجياً، بينما نخسر جمهورنا الحقيقي الذي يبحث عن عمق لا عن صخب.

التحول الرقمي، في تجربتنا، كان امتحان رؤية قبل أن يكون امتحان أدوات. هل نكون صدى لما يُتداول، أم نساهم في تشكيل النقاش؟ هل نبحث عن تصفيق عابر، أم عن أثر ممتد؟ اخترنا الأثر. اخترنا أن نكتب لا لنواكب اللحظة فقط، بل لنفسرها، وأحيانا لنخالفها حين نرى في مخالفتها ضرورة.

لهذا كان رهاننا في عرب 21 على المضمون لبناء الوعي قبل الوهج، وعلى الثقة قبل الضجيج، وعلى جمهور محدد قبل جمهور عابر. قد لا يكون هذا الطريق الأسرع إلى قمة التفاعل، لكنه الطريق الأمتن إلى بناء حضور يحترم نفسه ويحترمه قراؤه. وفي عالم سريع التبدل، يبقى ما يُكتب بصدق هو وحده القادر على أن يصمد.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية