بقلم : أ . حذامي محجوب
لا شيء يبدو عفويًا في الحملة الشعواء التي تشنها إدارة ترامب على جامعة كولومبيا. فالقرار غير المسبوق بوضع قسم الدراسات الشرق أوسطية والأفريقية تحت الوصاية الأكاديمية لخمس سنوات ليس إلا حلقة في مسلسل قمعي يستهدف قلعة فكرية ظلت لعقود رمزًا للتقدّم والنقد الجريء.
ليست المسألة مجرد إجراءات إدارية، بل هي عملية تطويع ممنهجة تهدف إلى إسكات الأصوات المناهضة لإسرائيل داخل الحرم الجامعي، حيث تحولت جامعة كولومبيا إلى مركز ثقل للمظاهرات الطلابية المنددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة.
ما بدأ بحرمان الجامعة من 400 مليون دولار من التمويلات الفيدرالية تزامن مع حملة أمنية طالت نشطاء فلسطينيين داخل الحرم، أبرزهم محمود خليل، الذي سُحبت بطاقته الخضراء وأودع مركز احتجاز في لويزيانا، ثم تبعه اعتقال طالب فلسطيني آخر .
الأمر لم يقف عند القمع الأمني، بل امتد إلى خنق الجامعة ماليًا، حيث تم إيقاف تمويلات الأبحاث الطبية، مما أدى إلى شلل مفاجئ في مشاريع علمية حيوية.
المشهد يزداد قتامة مع تصريحات وزيرة التعليم ليندا مكماهون التي بررت الإجراءات بأنها ردّ على “ فشل الجامعة في التصدي لمعاداة السامية ”، وكأن حماية حرية التعبير باتت تهمة يعاقب عليها القانون.
الهجوم على جامعة ” كولومبيا ” ليس صدفة. هذه المؤسسة، التي احتضنت المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد وأنتجت أجيالًا من النقاد والباحثين في الدراسات ما بعد الاستعمارية، تمثل خطراً على رواية السلطة. والأسوأ بالنسبة لليمين الأمريكي أن الأزمة في غزة أظهرت انقسامات داخل الهيئة التدريسية نفسها، بما في ذلك بين الأساتذة اليهود المنقسمين بين داعمين لنتنياهو ومدافعين عن الفلسطينيين.
الجمهوريون استغلوا هذا التصدّع جيدًا، ووجهوا اتهامات للجامعة بالتقصير في حماية الطلاب اليهود، مستخدمين هذه الذريعة كغطاء لهجومهم الأوسع على المؤسسة الأكاديمية.
لكن المسألة تتجاوز كولومبيا إلى الحرب الأيديولوجية التي يشنها ترامب على الجامعات النخبوية، والتي يراها معاقل ليبرالية تستنزف أموال دافعي الضرائب.
لم يكن مفاجئًا إذًا أن تقوم وكالات حكومية بتشريح نفقات الجامعة، متهمة إياها بإهدار التمويلات الفيدرالية على “ تكاليف إدارية غير ضرورية ”، وهو ادعاء تم استخدامه كذريعة لتقليص الدعم المالي، رغم أن معظم هذه الأموال تغطي رواتب الباحثين والأساتذة. الجامعات الأمريكية، التي لطالما كانت محركًا للصعود الاجتماعي، باتت اليوم ساحة لمعركة تُخاض بأسلحة التمويل والقوانين الفيدرالية.
كولومبيا ليست مجرد جامعة، بل ساحة حرب رمزية بين مشروعين: أحدهما يؤمن بالبحث والنقد وحرية التعبير، والآخر يسعى لتكميم الأفواه وإخضاع الفكر لمنطق القوة. تجميد الرواتب، تقليص الميزانيات، تهديد الاعتمادات الأكاديمية، كلها أدوات في ترسانة حرب تهدف إلى إخضاع المؤسسة بالكامل. في ظل هذه الظروف، لا يبدو أن الإدارة المؤقتة برئاسة كاترينا أرمسترونغ تملك ترف المقاومة، فبعدما تجنبت دعم الطلاب المعتقلين، تحاول الآن تهدئة العاصفة من خلال التعاون مع السلطات.
لكن التجربة أثبتت أن الانحناء أمام العاصفة لا يحمي من الاجتثاث، بل قد يسرّع الاندثار.
السؤال لم يعد متعلقًا بكولومبيا وحدها، بل بمصير الحرية الأكاديمية في أمريكا ككل. ترامب، الذي أظهر قدرة مذهلة على تحويل الأزمات إلى أدوات سياسية، يدرك جيدًا أن هجومه على الجامعات يخاطب غرائز ناخبيه الساخطين على النخب الليبرالية. لكنه أيضًا يدرك أن الجامعات ليست مؤسسات بلا ذاكرة، وأن منطق القمع قد يولد مقاومة أعنف.
فهل تكون كولومبيا بداية السقوط، أم الشرارة التي تشعل انتفاضة أكاديمية ضد السلطوية الجديدة بالولايات المتحدة ؟.



