تونس 34°C

5 جويلية 2026

تونس 38°C

5 جويلية 2026

ترامب بين هاجس الكونغرس و انكفاء الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط .

ٍبقلم – ابوبكر الصغير.

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة ، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصدد إعادة ترتيب سلم أولوياتها ، واضعة الاقتصاد والملفات الداخلية في مقدمة الاهتمام ، مقابل تراجع نسبي في الانخراط المباشر بقضايا الشرق الأوسط ، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل وإدارة الصراع مع إيران .
فواشنطن ، التي ظلت لعقود اللاعب الأكثر حضورا في المنطقة ، تبدو اليوم أكثر انشغالا بحسابات السياسة الداخلية واستحقاقاتها الانتخابية من انشغالها بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية .
تشهد الساحة السياسية الأمريكية تحولات لافتة في النظرة إلى إسرائيل ، بعدما باتت القضية محل انتقادات متزايدة من تيارات تنتمي إلى أقصى اليسار وأقصى اليمين معا . ففي نيويورك ، حقق مرشحون ديمقراطيون مدعومون من زهران ممداني ، والذين دعوا إلى إنهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل ، نتائج إيجابية في الانتخابات التمهيدية .
وفي المقابل ، وجّه نائب الرئيس جي. دي. فانس انتقادات حادة لمسؤولين إسرائيليين اعترضوا على مذكرة التفاهم الأمريكية مع إيران ، في مؤشر على صعود تيار جمهوري أكثر براغماتية وأقل استعدادا لمنح تل أبيب دعما غير مشروط .
يرى مراقبون أن هذه التحولات لا يمكن فصلها عن حسابات انتخابات التجديد النصفي ، التي ينظر إليها ترامب باعتبارها معركة سياسية مصيرية ستحدد إلى حد بعيد قدرته على مواصلة تنفيذ أجندته الداخلية والخارجية .
من هذا المنطلق ، يفسر كثيرون المرونة التي أبدتها الإدارة الأمريكية في تفاهماتها مع إيران ، والتي تضمنت تخفيفا لبعض القيود على صادرات النفط الإيرانية ، وتعهدات بدعم جهود إعادة الإعمار ، من دون التطرق بوضوح إلى ملفات حساسة مثل الصواريخ الباليستية أو شبكة النفوذ الإقليمي لطهران .
ويبدو أن هاجس الاقتصاد يظل المحرك الأبرز لخيارات الرئيس الأمريكي . فترامب يدرك أن انخفاض أسعار النفط واستقرار الأسواق المالية وتحسن المؤشرات الاقتصادية تشكل عوامل أساسية في تعزيز فرص الجمهوريين في الانتخابات المقبلة .
كما يسعى إلى الحفاظ على أغلبية داعمة له داخل الكونغرس ، بما يضمن له هامشا أوسع للحركة السياسية ويحول دون ظهور تحديات قد تعرقل مشروعه السياسي في المرحلة القادمة .
وفي المقابل ، يُتوقع أن يشهد الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط تراجعا نسبيا ، مع اتجاه واشنطن إلى إعادة توزيع الأعباء الأمنية والمالية على حلفائها الإقليميين ، ولا سيما دول الخليج ، سواء في ما يتعلق باحتواء النفوذ الإيراني أو تمويل عمليات إعادة الإعمار في مناطق النزاعات .
و يعكس هذا التوجه رؤية أمريكية جديدة تقوم على تقليص الانخراط المباشر وتفضيل إدارة الأزمات عن بعد ، بدلا من تحمل كلفتها السياسية والاقتصادية والعسكرية .
أما إسرائيل ، فتتابع هذا التحول بقدر كبير من القلق ، إذ تنظر إلى أي تقارب أمريكي ـ إيراني باعتباره تطورا لا يخدم مصالحها الاستراتيجية ، خصوصا في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة لإنهاء العمليات العسكرية في لبنان واحتواء احتمالات التصعيد الإقليمي . ويرى بعض المحللين أن هذه الأجواء قد تمنح إيران وحلفاءها فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم وإعادة بناء قدراتهم السياسية والعسكرية خلال المرحلة المقبلة .
وفي هذا السياق ، تشير بعض التقديرات إلى احتمال اتجاه حزب الله نحو اعتماد نموذج تنظيمي أكثر لامركزية ، يجعله أقل ارتباطا بالقيادات الفردية وأكثر قدرة على التكيف مع التحديات الأمنية المتغيرة .
كما تواصل إيران ، وفق هذه القراءة ، تعزيز حضورها في مضيق هرمز عبر تطوير بنيته التحتية وآليات مراقبة الملاحة ، في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى إنشاء مسارات بديلة لنقل الطاقة ، وهي مشاريع استراتيجية تحتاج إلى سنوات قبل أن تبلغ مرحلة الجاهزية الكاملة .
في المحصلة ، تكشف هذه التحولات أن السياسة الأمريكية تدخل مرحلة جديدة تتقدم فيها اعتبارات الداخل والانتخابات على حساب الانخراط التقليدي في أزمات الشرق الأوسط . وبين هاجس الحفاظ على الأغلبية في الكونغرس والسعي إلى حماية المكتسبات الاقتصادية ، يبدو أن ترامب يراهن على سياسة خارجية أقل كلفة وأكثر انتقائية .
غير أن هذا الانكفاء النسبي لا يعني انسحابا أمريكيا كاملا من المنطقة ، بقدر ما يعكس إعادة تموضع قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية وتفتح الباب أمام فاعلين جدد لملء الفراغ الذي قد تتركه واشنطن في السنوات المقبلة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية