تونس 38°C

3 جويلية 2026

تونس 38°C

3 جويلية 2026

فرنسا وقلق الحرية… لماذا يتمسك الفرنسيون بديمقراطيتهم رغم أزمة الثقة؟.

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

اظهر البارومتر الأول الذي أصدره المجلس الدستوري الفرنسي حول حالة المؤسسات الدستورية بفرنسا ان ثمانية من كل عشرة فرنسيين أعربوا عن قلقهم إزاء وضع الديمقراطية في بلادهم ، لكن 88 في المائة منهم أكدوا تمسكهم بالديمقراطية، و73 في المائة يعتبرون أن فرنسا ما تزال دولة ديمقراطية .
هذه الأرقام ليست مؤشرا على أزمة رفض للديمقراطية ، بل على العكس تماما . إنها تعكس مجتمعا يدرك قيمة الحرية ويخشى فقدانها .
فالقلق هنا ليس دليلا على انهيار الثقة في النظام الديمقراطي ، بل تعبير عن الرغبة في حمايته وتطويره وتعزيزه .
الأكثر دلالة أن الفرنسيين أظهروا ارتباطا قويا بالحريات الأساسية التي تشكل جوهر الفكرة الديمقراطية .
فقد تصدرت حرية التعبير وحرية التنقل قائمة الحقوق التي يتمسك بها المواطنون ، تليها حرية تكوين الجمعيات ، والحق في الإضراب ، وحرية الدين والمعتقد ، وحرية التظاهر .
وكأن الرسالة التي يبعث بها الفرنسيون واضحة : الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع أو تداول على السلطة ، بل قبل كل شيء فضاء واسع للحريات الفردية والجماعية .
غير أن هذا التمسك بالمبادئ لا يلغي الشعور المتزايد بالتهميش السياسي .
فارتفاع نسب العزوف عن التصويت يعكس إحساس شريحة واسعة من الفرنسيين بأنهم لم يعودوا ممثلين بالشكل الكافي داخل المؤسسات السياسية التقليدية .
وهي ظاهرة لا تخص فرنسا وحدها ، بل تمتد إلى معظم الديمقراطيات الغربية التي تواجه تحدي إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة .
ورغم هذه الأزمة التمثيلية ، فإن ما يلفت الانتباه هو استمرار الثقة في ” السلطات المضادة ” أو ما يعرف بمؤسسات التوازن والرقابة .
فقد عبر 80 في المائة من الفرنسيين عن تأييدهم لهذه المؤسسات ، وفي مقدمتها المجلس الدستوري ، باعتبارها صمام أمان يمنع احتكار السلطة ويحمي الحقوق الأساسية .
إن هذا التعلق بالسلطات المضادة يحمل دلالة سياسية وفلسفية عميقة . فالفرنسيون يدركون أن الديمقراطية لا تقوم على حكم الأغلبية وحده ، بل أيضا على وجود مؤسسات مستقلة قادرة على ضبط السلطة ، أيا كان لونها السياسي ، ومنع أي انحراف قد يمس الحريات أو يقوض دولة القانون .
ومن هنا، يكتسب المجلس الدستوري الفرنسي أهمية متزايدة في الوعي العام . فغالبية الفرنسيين تنظر إليه باعتباره مؤسسة تساهم في حسن سير الديمقراطية وتؤدي دور الحارس الهادئ للدستور والحريات .
وليس من قبيل المصادفة أن يؤكد رئيس المجلس الدستوري ، ريتشارد فيران، أن المؤسسة ليست طرفا سياسيا ولا جدارا في مواجهة خيار انتخابي معين ، بل ” مرجعا ” ثابتا يضمن احترام القواعد الدستورية مهما كانت نتائج الانتخابات .
في الحقيقة، تكشف التجربة الفرنسية درسا بالغ الأهمية : الديمقراطية ليست نظاما مكتسبا إلى الأبد ، بل بناء هش يحتاج باستمرار إلى يقظة المجتمع وقوة المؤسسات واستقلال القضاء الدستوري . وعندما يقلق المواطن على ديمقراطيته ، فهذا يعني غالبا أنه ما زال يؤمن بها ويريد حمايتها .
لذلك، فإن الرسالة الأبرز التي يبعث بها الفرنسيون اليوم هي أن الحرية ليست امتيازا عابرا ، بل قيمة وجودية تستحق الدفاع عنها. فالديمقراطية قد تمر بلحظات شك واهتزاز ، وقد تواجه أزمات تمثيل وثقة ، لكنها تظل قوية ما دام مواطنوها يؤمنون بأن حماية الحريات تقتضي وجود مؤسسات مستقلة وسلطات مضادة ودستور يقف فوق الجميع .
وربما لهذا السبب تحديدا ، لا يبدو قلق الفرنسيين على ديمقراطيتهم علامة ضعف، بل أحد أبرز مظاهر قوتها .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية