تونس 33°C

4 جويلية 2026

تونس 38°C

4 جويلية 2026

الجزائر … اختبار الثقة !.

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

انتهت الانتخابات التشريعية في الجزائر ، لكن الأسئلة الحقيقية تبدأ الآن .
فالأرقام التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، والتي أظهرت مشاركة لم تتجاوز 20.79 في المائة داخل البلاد و10.67 في المائة في صفوف الجزائريين المقيمين بالخارج ، ليست مجرد معطيات تقنية مرتبطة بعملية اقتراع ، بل هي مؤشرات سياسية عميقة تستحق التوقف عندها .
صحيح أن الانتخابات جرت في أجواء هادئة ومنظمة ، وأن الدولة نجحت مرة أخرى في تأمين استمرارية مؤسساتها الدستورية ، لكن انخفاض نسبة المشاركة إلى مستوى أقل من انتخابات 2021 يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين المجتمع والطبقة السياسية ، وحول قدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة ثقة المواطن الجزائري .
فالعزوف الانتخابي في الجزائر لم يعد ظاهرة ظرفية أو مرتبطة بموعد انتخابي معين ، بل أصبح سلوكا سياسيا متجذرا يعكس حالة من التباعد بين جزء واسع من المجتمع وبين الفعل السياسي التقليدي .
فملايين الجزائريين لم يقاطعوا الانتخابات بسبب اللامبالاة فقط ، بل لأن جزءا منهم لم يعد يرى في صناديق الاقتراع أداة قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياته اليومية أو في طبيعة إدارة الشأن العام .
ومن هنا ، فإن الرسالة الأولى التي تفرزها هذه الانتخابات هي أن الشرعية القانونية للمؤسسات لا تكفي وحدها لصناعة الشرعية السياسية الكاملة .
فالأنظمة السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على تنظيم الانتخابات وفق المواعيد الدستورية ، بل أيضا بقدرتها على تعبئة المجتمع وإقناعه بأن المشاركة السياسية يمكن أن تكون أداة للتأثير وصنع القرار .
أما الرسالة الثانية فتتعلق بالأحزاب السياسية نفسها .
فقد كشفت هذه الانتخابات مرة أخرى عن أزمة تمثيل عميقة تعيشها الأحزاب الجزائرية ، سواء الموالية منها أو المعارضة .
فالكثير من التشكيلات الحزبية تبدو عاجزة عن تجديد خطابها ، وعن إنتاج نخب جديدة قادرة على مخاطبة الأجيال الشابة التي أصبحت تنظر إلى السياسة بعين الريبة والشك ، أو اختارت البحث عن فضاءات أخرى للتعبير خارج الأطر الحزبية التقليدية .
لكن انعكاسات هذه النتائج على النظام الجزائري لن تكون بالضرورة آنية أو دراماتيكية . فالجزائر تمتلك مؤسسات دولة راسخة ، كما أن النظام السياسي أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرة كبيرة على الحفاظ على الاستقرار وتجاوز محطات صعبة .
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في المدى البعيد ، لأن استمرار اتساع الفجوة بين المؤسسات والمجتمع يمكن أن يؤدي تدريجيا إلى إضعاف الحيوية السياسية وإلى إنتاج برلمان يملك الشرعية الدستورية ، لكنه يواجه تحديا مستمرا في اكتساب الزخم الشعبي والتمثيل المجتمعي الواسع .
إن ما بعد انتخابات 2026 يضع النظام الجزائري أمام استحقاق يتجاوز مجرد تشكيل حكومة جديدة أو توزيع المقاعد البرلمانية . فالرهان الأكبر هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتجديد الحياة السياسية ، وإقناع الجزائريين بأن المشاركة ليست إجراء شكليا ، بل وسيلة حقيقية للتأثير في السياسات العامة .
لذلك ، يمكن القول إن هذه الانتخابات لم تكن تصويتا على أسماء أو أحزاب بقدر ما كانت تصويتا صامتا على العلاقة بين السلطة والمجتمع .
ففي الديمقراطيات المعاصرة ، لا يُقرأ الامتناع عن التصويت بوصفه غيابا عن المشهد ، بل بوصفه رسالة سياسية بحد ذاته . والسؤال الذي سيحدد مستقبل المرحلة المقبلة هو : هل يقرأ النظام الجزائري هذه الرسالة باعتبارها جرس إنذار يدعو إلى إصلاح سياسي أعمق وتجديد أدوات المشاركة ، أم يكتفي بالنظر إليها باعتبارها مجرد رقم في سجل الانتخابات.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية