برلمان أحمد الشرع … أول اختبار لشرعية سوريا الجديدة .
ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
دخلت سوريا منعطفا سياسيا جديدا مع اكتمال تشكيل أول برلمان في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد ، في خطوة تبدو أكثر من مجرد استحقاق مؤسساتي عادي ، فهي تمثل الاختبار الأول لجدية مشروع الانتقال السياسي الذي يقوده الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ، كما تشكل مؤشرا مبكرا على طبيعة النظام الذي يتشكل في سوريا الجديدة .
وبين ترحيب الأمم المتحدة باعتبار البرلمان خطوة مهمة في مسار إعادة بناء الدولة ، وتشكيك قوى سياسية ومنظمات مدنية في آليات تشكيله ، يفتح المجلس الجديد نقاشا واسعا حول مستقبل الشرعية السياسية وحدود التوازن بين السلطات .
يضم البرلمان 210 أعضاء ، جرى اختيار 140 منهم عبر اقتراع غير مباشر ، فيما عيّن الرئيس أحمد الشرع 70 عضوا لاستكمال تشكيل المجلس .
ومن المقرر أن يبدأ البرلمان أعماله في السادس من يوليو ، على أن تستمر ولايته ثلاثين شهرا قابلة للتجديد ، ضمن مرحلة انتقالية تمتد خمس سنوات تسبق تنظيم انتخابات عامة مباشرة .
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تأتي بعد أكثر من خمسة عقود من هيمنة مجلس شعب ارتبط ، في نظر كثير من السوريين ، بدور شكلي اقتصر على المصادقة على قرارات السلطة التنفيذية .
لذلك ، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في ولادة مؤسسة تشريعية جديدة فحسب ، بل في مدى قدرتها على القطع مع إرث الماضي وتأسيس تقاليد سياسية تقوم على التعددية والمساءلة والرقابة المتبادلة بين المؤسسات .
غير أن الانتقادات لم تتأخر .
فقد اعتبر مراقبون ومنظمات سورية مستقلة أن البرلمان الجديد وُلد من عملية سياسية تفتقر إلى الشفافية وإلى المشاركة الشعبية الواسعة ، في ظل غياب انتخابات مباشرة واستمرار حظر الأحزاب السياسية ، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مدى تمثيله لمختلف مكونات المجتمع السوري وقدرته على اكتساب شرعية شعبية حقيقية .
وتزداد هذه التساؤلات مع الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025 ، والذي منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في ظل غياب منصب رئيس الوزراء .
ويرى عدد من المحللين أن هذه الهندسة الدستورية قد تجعل البرلمان أقرب إلى هيئة استشارية منها إلى سلطة تشريعية قادرة على مراقبة أداء السلطة التنفيذية أو محاسبتها ، وهو ما يضع استقلالية المجلس في قلب الجدل السياسي الدائر اليوم .
كما لم تنجح تركيبة البرلمان في تبديد المخاوف المرتبطة بالتمثيل السياسي والاجتماعي . فرغم تعيين خمس عشرة امرأة إضافية ، بقي حضور النساء دون التوقعات التي أعلنت عنها السلطات . كذلك استمر ضعف تمثيل الأقليات الدينية والقومية ، في حين ظلت مقاعد محافظة السويداء شاغرة بفعل الظروف الأمنية والسياسيةد، بينما قاطعت الأحزاب الكردية العملية الانتخابية في مناطق شمال شرقي سوريا ، معتبرة أنها لا تعكس الإرادة الحرة للسكان ولا تؤسس لشراكة وطنية حقيقية .
في المقابل ، دافع الرئيس أحمد الشرع عن خياراته، مؤكدا أن المرحلة الانتقالية تفرض إجراءات استثنائية ، وأن التعيينات الرئاسية جاءت لسد الثغرات التي أفرزتها العملية الانتخابية ، عبر إشراك شخصيات تكنوقراطية وممثلين عن النساء والأقليات ، إضافة إلى شخصيات من المعارضة السابقة وفصائل شاركت في إسقاط النظام ، سعيا إلى تحقيق قدر من التوازن السياسي ومنع انقسامات مبكرة داخل السلطة الجديدة .
ولا تتوقف أهمية البرلمان عند كيفية تشكيله ، بل تمتد إلى طبيعة المهام التاريخية الملقاة على عاتقه .
فالمجلس مطالب بإعداد قانون انتخابي جديد ، وصياغة دستور دائم لسوريا ، ومراجعة عشرات مشاريع القوانين ، فضلا عن مواكبة عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد أربعة عشر عاما من الحرب والدمار .
إلا أن قدرته على إنجاز هذه الملفات ستظل مرتبطة بمدى استقلاليته وتوافر الإمكانات البشرية والقانونية اللازمة لعمله ، في ظل الحديث عن محدودية الخبرة التشريعية لدى عدد من أعضائه وافتقار النواب إلى مكاتب وفرق استشارية متخصصة .
في المحصلة، يبدو البرلمان السوري الجديد أكثر من مجرد مؤسسة تشريعية ناشئة ، إنه الامتحان الأول لشرعية سوريا ما بعد الأسد ، والاختبار الأهم لقدرة السلطة الانتقالية على الانتقال من شرعية إسقاط النظام إلى شرعية بناء الدولة .
فإذا نجح في أن يتحول إلى فضاء حقيقي للحوار الوطني ، وصناعة التشريعات ، ومراقبة الأداء الحكومي ، فقد يفتح الباب أمام تأسيس نظام سياسي جديد يقوم على المشاركة والتوازن المؤسسي .
أما إذا بقي رهين التعيينات وهيمنة السلطة التنفيذية ، فإن شبح إعادة إنتاج المركزية السياسية سيظل يلاحق التجربة السورية ويهدد آمال السوريين في بناء دولة ديمقراطية تتسع لجميع أبنائه.
