تونس 22°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

بداية لا تُرى… لكن تُعاش !

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم يأت العام الجديد محمولا على ضجيج الألعاب النارية ، بل تسلّل خفيفا ، كزائر حكيم لا يطرق الأبواب ، بل يقف عند عتبة القلب .
إنه ليس موعدا للاحتفال بقدر ما هو لحظة مواجهة صامتة مع الزمن ، وقفة نادرة يُطلب فيها من الإنسان أن ينظر إلى نفسه كما هي ، لا كما ادّعى طيلة العام .
فالسنون لا تمنح بدايات بريئة ، ولا تمحو ما تراكم في الروح .
هي لا تفعل أكثر من أن تساءل :
ماذا غيّرت فيك الأيام؟ .
وأيّ نسخة منك نجت، وأيّها أنهكها التكرار؟.
اعتدنا حقا ، أن نُغرق رأس السنة بالضجيج ، كأن الأصوات العالية قادرة على إسكات القلق ، أو كأن الاحتفال يُعفي من التفكير .
غير أن الزمن، في عمقه، يقترح استقبالًا آخر : أن نهدأ ، أن نخفّف الزينة عن المعنى ، وأن ننظر إلى ما مضى بلا تزييف ، وإلى ما سيأتي بلا أوهام .
فالسنوات لا تبدأ من فراغ ، بل من ذاكرة مثقلة بالتجربة ، من خيبات لم تُعلن ، ومن لحظات صغيرة أنقذت أرواحنا دون أن ننتبه.
الزمن لا يهب قطيعة سحرية مع الماضي ، ولا يقدّم خلاصا جاهزا.
ما يمنحه فعلا هو فرصة نادرة لإعادة النظر ، في اختياراتنا التي لم تكن شجاعة بما يكفي، وفي ما استنزفنا ونحن نعتقد أنه ضروري، وفي ما أهملناه رغم أنه كان الأقرب إلى حقيقتنا.
الجديد لا يسكن التقويم ، بل يتشكّل في الوعي.
في قدرتنا على أن نعيش بعمق أكبر،
وأن نتحرّر من الأدوار التي ورثناها دون أن نختارها،
ومن الأقنعة التي ارتديناها خوفا من العزلة أو سوء الفهم .
استقبال عام جديد ليس وعدا بالسعادة ، ولا بيان نوايا مزيّفا .
إنه تمرين على الوضوح. أن نتحمّل مسؤولية ما عشناه ، وأن نعترف ، بلا قسوة ولا تبرير، أننا شركاء في ما آل إليه حالنا ،ًلا ضحايا زمن قاسٍ فحسب .
فالحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي تمر،
بل بصدق الحضور في اللحظات التي نعيشها .
بقدرتنا على أن نكون هناك، كاملين، حين يتطلب الأمر شجاعة، وصامتين، حين يكون الصمت أصدق من الكلام .
وهنا، يتحوّل العام الجديد إلى اختبار أخلاقي قبل أن يكون محطة زمنية : هل نملك الجرأة لنعيش أقل زيفا ؟ ، أقل استسلاما لما لا يشبهنا ؟ ، هل نستطيع أن نخفّف سرعتنا ، أن نصغي أكثر ، وأن نعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين ؟ .
لسنا مطالبين بأن نكون أفضل في عيون العالم ، بل أصدق في أعيننا نحن .
ولا أن نعد أنفسنا بالخلاص، بل أن نكفّ عن الهروب من الأسئلة الضرورية.
كل ما يُطلب منا هو هذا القدر من الوعي : أن نعرف متى نقول ” كفى ” ، ومتى نسمح لحياتنا أن تستعيد معناها بعيدا عن الاستهلاك والتمثيل.
أن نختار ما يستحق أن نرافقه في عام جديد ، وأن نترك، بلا ندم، ما أثقل أرواحنا وأخّرنا عن أنفسنا.
هكذا يبدأ العام الجديد حقا :
لا بالأمنيات، بل بالمسؤولية.
لا بالقطيعة مع الماضي، بل بفهمه حتى لا يُعاد.
بداية لا تعد بالسعادة،
لكنها تمنح ما هو أعمق وأبقى: الوضوح، والحرية، وشجاعة أن نعيش كما نحن… لا كما يُنتظر منا .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية