عواصم – عرب21:
لم يكن اسم ليانغ وينفنغ متداولًا خارج الأوساط المالية الصينية حتى ظهر إلى العلن في 20 يناير، عندما استقبله رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ ضمن لقاء مع عدد من الخبراء لمناقشة واقع الاقتصاد الصيني.
لكن الحدث الأبرز لم يكن ظهوره السياسي الأول، بل إطلاقه نموذج الذكاء الاصطناعي DeepSeek R1، الذي أحدث صدمة في الأسواق الأمريكية وأثار اهتمام كبار المتخصصين في هذا المجال.
لم يكن أحد يتوقع أن ينجح فريق صغير يضم 139 باحثًا فقط في تطوير نموذج منافس لنماذج عملاقة مثل GPT-4، بميزانية لم تتجاوز 6 ملايين دولار، مقارنةً بأكثر من 100 مليون دولار أنفقتها OpenAI على تطوير نموذجها.
حتى سام ألتمان، مبتكر ChatGPT، وصف الإنجاز بالمثير للإعجاب، بينما علق أندريه كارباثي، أحد مؤسسي OpenAI، على الأمر مستهجنًا أن يتم تحقيق هذه النتيجة بميزانية وصفها بـ”المثيرة للسخرية ”.
التأثير لم يكن نظريًا فقط، فقد شهدت أسهم Nvidia، عملاق صناعة الرقائق الإلكترونية، انخفاضًا بنسبة 17% بعد انتشار DeepSeek، وأصبح التطبيق الأكثر تحميلًا في كل من الولايات المتحدة وفرنسا، مما يعكس حجم الاهتمام العالمي به.
لم يأتِ هذا النجاح من فراغ، فقد بدأ ليانغ، المولود عام 1985 في جنوب الصين، مسيرته الأكاديمية في هندسة الكمبيوتر في مدينة هانغتشو، التي تحتضن عمالقة التكنولوجيا الصينية مثل علي بابا وUnitree Robotics. منذ أيامه الجامعية، تأثر بنجاحات صندوق التحوط الأمريكي Renaissance وبدأ في تطوير خوارزميات تحليل السوق لتحقيق أرباح عبر الذكاء الاصطناعي.
في عام 2013، أسس مع زملائه صندوق استثمار كمي يعتمد على البيانات الضخمة في التنبؤ باتجاهات السوق، وهو نهج كان لا يزال جديدًا في الصين آنذاك.
ورغم أن الأزمة المالية لعام 2015 أطاحت بالعديد من المستثمرين الصغار، فإن ليانغ استغل الفرصة لإطلاق صندوقه الثاني High-Flyer، الذي تضاعفت قيمته من مليار يوان عام 2016 إلى 10 مليارات يوان عام 2019، مستفيدًا من تطبيق الذكاء الاصطناعي في التداول.
لكنه سرعان ما أدرك أن تطوير ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا يتطلب بنية تحتية حاسوبية قوية، فأنفق بين 2019 و2021 أكثر من 130 مليون يورو على بناء حواسيب فائقة، مما مكنه من شراء 10,000 وحدة معالجة رسومية A100 من Nvidia قبل أن تفرض الولايات المتحدة قيودًا على بيع هذه الشرائح للصين.
لكن طموح ليانغ لم يتوقف عند الأسواق المالية، فقد بدأ يوجه اهتمامه نحو تطوير ذكاء اصطناعي عام، قادر على التعلم والتفكير بطريقة تتجاوز الإمكانات البشرية التقليدية. من خلال مشروع DeepSeek، استقطب خريجين شبابًا من الجامعات الصينية الكبرى، مؤمنًا بأن قلة الخبرة قد تكون ميزة في الابتكار، حيث قال في مقابلة نادرة : “عندما تفعل شيئًا جديدًا، فإن ذوي الخبرة سيخبرونك بأن هناك طريقة محددة للقيام به، أما من ليس لديهم خبرة فسيحاولون إيجاد حلول مختلفة بأنفسهم ” .
يتميز DeepSeek R1 عن النماذج الأخرى بتبنيه منهجية “التعلم التعزيزي”، حيث يطرح الأسئلة على نفسه ويتلقى مكافآت عند إيجاد إجابات صحيحة، مما يجعله أبطأ قليلاً من النماذج التقليدية لكنه أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر كفاءة من حيث التكلفة، إذ يُقدر أنه أرخص بـ27 مرة من OpenAI لكل استعلام. ورغم نجاحه، فإن النموذج لا يخلو من العيوب، فهو رغم إتقانه للغات عدة، لا يزال يعاني من مشكلات تتعلق بـ”اختلاق الحقائق”، كما أنه يتجنب الخوض في القضايا السياسية الحساسة، خصوصًا تلك المتعلقة بتاريخ الصين، حيث يرد على الأسئلة المحرجة بعبارات مثل “من الأفضل الحديث عن شيء آخر ” .
عندما ظهر ChatGPT لأول مرة في 2022، بدت الصين متأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي، لكن مع إطلاق DeepSeek، استعادت ثقتها بقدرتها على المنافسة.
ليانغ نفسه لم يعد يعتبر الثروة هدفًا، بل يسعى لتحقيق اختراقات تكنولوجية تقود الصين إلى موقع الريادة.
قال في مقابلته مع منصة 36Kr الصينية: “لطالما لعبت الشركات الصينية دور المتابع، بينما يدفع النظام الأمريكي نحو الابتكار .
لكن يجب أن يكون للصين شخص يقف في الخطوط الأمامية للتكنولوجيا ” .
اليوم، وبعد عقود من محاكاة الابتكارات الغربية، يجد المهندسون الأمريكيون أنفسهم مضطرين إلى تحليل شيفرات شركة صينية لفهم أسرار نجاحها، في انعكاس واضح لتحولات موازين القوى في عالم الذكاء الاصطناعي.

