تونس 31°C

29 أفريل 2026

تونس 38°C

29 أفريل 2026

بين الحلم والإرادة: رحلة الإنسان نحو المستحيل.

بقلم الامام محمد بن حمودة.

الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، بل متاهة مليئة بالممرات الضيقة والمفاجآت غير المتوقعة. ومع ذلك، لا يُقاس الإنسان بما يعترض طريقه من عثرات، بل بقدرته على النهوض مجددًا، بقوة الإيمان وعزيمة الإرادة. ففي أعماق كل قلب بشري تسكن أحلام مستحيلة، لكنها لا تبقى كذلك إذا ما وُهِبت لها الإرادة وسُقِيت بماء اليقين.

يقول نيتشه: “من لديه سبب للحياة يمكنه تحمل أي كيف.” “
(He who has a why to live can bear almost any how).
وهذه هي حقيقة النفس البشرية، إذ لا ينهار الإنسان أمام العقبات، بل أمام فقدان المعنى وفقدان الحلم. فكل حلم يولد في رحم الإرادة، وكل أمنية مؤجلة هي اختبار لصبر الإنسان على تدبير القدر، ولهذا نجد في قوله تعالى: “وكان الله على كل شيء مقتدرا” (الكهف: 45) دلالة عميقة على أن المستحيل في عيوننا ليس سوى نقطة انتظار في ميزان الزمن.

إن الأمنيات المتأخرة ليست إلا دروسًا في الإيمان. كم من حلم ظنناه بعيدًا، فإذا به يتحقق في اللحظة المناسبة؟ وكم من أمنية حاربنا لأجلها، ثم اكتشفنا أن الخير كان في تأخرها أو استبدالها؟ لهذا تأتي الطمأنينة الإلهية في قوله تعالى: “يأتِ بها الله إن الله لطيف خبير” (يوسف: 100)، لتذكرنا أن الخير قد يأتي من حيث لا نتوقع، لأن اللطف الإلهي يعمل بصمت، لكن أثره يظهر في أجمل لحظة.

يخبرنا مولانا جلال الدين الرومي: “لا تحزن إن حطّمك الفشل، بل استعدّ لرؤية أبواب أخرى تُفتح لك، فقد خُلق القلب ليُضيء حتى في أحلك الظروف.” نعم، فالأبواب التي تُغلق ليست نهاية الطريق، بل بداية لطريق آخر قد يكون أكثر رحمة وأكثر تحقيقًا لما تحتاجه أرواحنا لا ما تشتهيه أهواؤنا. ومن هنا، يتجلى وعد الله في قوله: “عسى ربنا أن يبدلنا خيرًا منها” (القلم: 32)، فليس كل فقدان خسارة، وليس كل تأخير تعطيلًا، بل هو جزء من هندسة القدر التي لا نفهم حكمتها إلا بعد حين.

الحياة اختبار صبر قبل أن تكون اختبار قوة، واختبار يقين قبل أن تكون اختبار نجاح. لهذا قال فيكتور هوغو: “أعظم معركة هي تلك التي تخوضها داخل نفسك بين ما تريده وما يستحقه قدرك.” فعندما تشعر أن الأبواب مغلقة، تذكر أن الحياة لم تُخلق لتكون سهلة، بل لتكون رحلة بحث عن القوة الداخلية، عن اليقين، عن الثبات أمام العواصف.

وأخيرًا، عندما تشعر أن الحلم بعيد، والأمل يخفت، قل من أعماق قلبك: “اللهم جبراً ونصراً دائماً وأبداً.” لأن الدعاء ليس فقط وسيلة لتحقيق الأمنيات، بل هو جسر يعبر بك من الشك إلى اليقين، ومن الضياع إلى الطمأنينة، ومن الانتظار إلى الوصول.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية