تونس 26°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

العقيدة العمياء … مقبرة الدول .

بقلم أبوبكر الصغير.

ليست الكوارث الطبيعية او الحروب وحدها هي التي تدمر الدول .
في بعض الأحيان يكون الخراب أعمق و اشد وأبطأ ، يبدأ في العقول قبل أن يظهر في الشوارع ، ويتسلل إلى الوعي الجمعي العام قبل أن يتحول إلى ركام في المدن .
ذلك الخراب اسمه الأيديولوجيا حين تتحول من فكرة قابلة للنقاش إلى عقيدة متطرفة مغلقة ، ومن رؤية سياسية إلى إيمان أعمى لا يسمح بالسؤال ولا يحتمل الشك .
فالأيديولوجيا حين تتجمد تتحول إلى سجن كبير للعقل ، وحين تتحول إلى عقيدة مطلقة تصبح أخطر من أي سلاح فتاك .
لأن السلاح قد يدمر قرية او مدينة، أما العقيدة العمياء فقد تدمر شعبا كاملا او حتى امة لسنوات طويلة دون أن يشعر أتباعها بأنهم يسيرون نحو الهاوية .
لعل التجربة الإيرانية المعاصرة تقدم اليوم أحد أبرز الأمثلة على ذلك .
فمنذ الثورة عام 1979 تحولت الدولة إلى مشروع أيديولوجي كبير ، لا يرى نفسه مجرد دولة تبحث عن التنمية والاستقرار لشعبها، بل رسالة ثورية عابرة للحدود .
ومع مرور العقود ، أصبحت الأيديولوجيا جزءا من بنية الحكم ، وأصبح الحفاظ عليها أهم من تحسين حياة الناس .
في مثل هذه اللحظات يتغير ترتيب الأولويات : تتراجع التنمية، ويتأخر الاقتصاد، وتُستنزف الموارد في صراعات خارجية وصدامات إقليمية، بينما يدفع الشعب الثمن بصمت .
وهكذا يتحول بلد غني بالتاريخ والثقافة والإمكانات إلى ساحة صراع دائم بين الواقع ومتطلبات العقيدة ( ولاية الفقيه ) السياسية .
لكن في حقيقة الأمر ، فان المأساة لا تقتصر على تجربة واحدة .
فالعالم العربي نفسه عرف خلال العقود الماضية نماذج متعددة من الأيديولوجيات التي وعدت بالتنمية و بالنهضة و بالرخاء ، لكنها انتهت إلى نتائج معاكسة تماما .
فالقومية العربية، في بعض تمفصلاتها الأكثر راديكالية ، تحولت في مراحل معينة من مشروع ثقافي جامع إلى أداة للسلطة المغلقة . ومع مرور الوقت أصبحت الدولة رهينة الحزب، والحزب رهين الزعيم، وغاب التعدد والحرية باسم الوحدة والمصير المشترك بل اصيب الإنسان في مقتل .
وفي المقابل، برز الإسلام السياسي ممثلا في جماعة الإخوان وفروعها ، بوصفه أيديولوجيا أخرى تعد بإقامة مجتمع مثالي باسم الدين . غير أن التجربة أثبتت في كثير من الحالات أن تحويل الدين إلى مشروع سياسي مغلق لا يقل خطورة عن أي أيديولوجيا أخرى، خصوصا عندما تتفرع عنه تنظيمات متشددة أو جماعات مسلحة ترى في العنف وسيلة للوصول إلى السلطة .
بين هاتين الأيديولوجيتين ، دفعت شعوب عربية كثيرة ثمنا باهظا . فالعراق الذي كان يوما أحد أهم مراكز العلم والثقافة في المنطقة تحول إلى ساحة حروب وانقسامات .
و سوريا التي كانت من أكثر بلدان الشرق الأوسط تنوعا ثقافيا أصبحت مسرحا لواحدة من أكثر المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
واليمن الذي عرف عبر تاريخه حضارات عريقة أصبح اليوم غارقا في صراع أنهك شعبه . وليبيا التي كانت تملك إمكانات اقتصادية هائلة تحولت إلى دولة ممزقة بين الميليشيات .
أما السودان والصومال فهما مثالان آخران على كيف يمكن للأيديولوجيات المتصارعة أن تمزق الدولة حتى تكاد تختفي .
في كل هذه التجارب يتكرر المشهد نفسه :
تبدأ القصة بشعار كبير ، و بحلم ضخم بتغيير العالم . ثم يتحول الشعار إلى تنظيم مغلق .
ويتحول التنظيم إلى سلطة . و تتحول السلطة إلى قيد على المجتمع كله.
وعند تلك اللحظة يغيب العقل ، وتحضر الطاعة. يختفي النقاش، وتعلو الأوامر و التوجيهات . يتراجع الإنسان، ويتقدم التنظيم .
عندما يغيب العقل وتحل مكانه العقيدة التنظيمية الصلبة ، تبدأ الكارثة . لأن الأوطان لا تُبنى بالولاء الأعمى ، ولا تزدهر بالشعارات ، بل تقوم على العقل الحر ، والمؤسسات ، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
لقد أثبت التاريخ مرارا أن الأمم التي تقدمت لم تكن تلك التي آمنت بالأيديولوجيات المطلقة ، بل تلك التي آمنت بالإنسان و بالعلم و بالحرية.
أما الأمم التي سلّمت مصيرها للعقائد المغلقة فقد وجدت نفسها، عاجلاً أم آجلاً، تدفع ثمن ذلك من استقرارها ومستقبل أجيالها .
فالأوطان لا تسقط فقط عندما تُهزم في الحروب بل تسقط أيضا عندما يُهزم العقل داخلها.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية