بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في خضمّ الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل ، لم تتوقف الصواريخ عند حدود ساحة المواجهة المباشرة ، بل امتدت ارتداداتها إلى دول الخليج .
كانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول التي طالتها هذه الهجمات من حيث العدد والتواتر ، في استهداف لافت لدولة لم تكن طرفا مباشرا في صراع او قتال .
وهو ما يطرح سؤالا جوهريا : لماذا الإمارات تحديدا ؟ .
في الحروب ، لا تكون الصواريخ مجرد أدوات عسكرية ، بل كثيرا ما تحمل رسائل سياسية عميقة .
فحين يُستهدف بلد بشكل متكرر ، فإن ذلك يعكس في الغالب طبيعة الدور الذي يلعبه في محيطه ، أو النموذج الذي يمثله في نظر خصومه .
والإمارات اليوم تمثل في الشرق الأوسط نموذج دولة اختارت منذ قيام اتحادها أن تراهن على التنمية والاستقرار ، بدل الانزلاق إلى دوامات الصراع التي أنهكت المنطقة لعقود .
لقد بنت الدولة مشروعها على الاستثمار في الإنسان ، وعلى التعليم والاقتصاد والابتكار ، وعلى تأسيس مجتمع منفتح يرى في التسامح قيمة أساسية للحياة العامة .
وعلى أرضها يعيش ملايين البشر من مختلف الجنسيات والثقافات و الديانات في فضاء يقوم على الاحترام والعمل المشترك ، حتى تحولت مدنها إلى مساحات عالمية تتجاور فيها اللغات والتقاليد دون أن يتحول الاختلاف إلى مصدر صراع ، بل إلى عنصر ثراء إنساني .
وقد جعل هذا الخيار من الإمارات واحدة من أكثر المجتمعات استقرارا وقدرة على جذب الكفاءات والطاقات البشرية من مختلف أنحاء العالم .
كما أسست علاقاتها الدولية على مبدأ الانفتاح والتوازن ، فمدّت جسور التعاون مع الشرق والغرب ، ونسجت شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول متعددة ، بما في ذلك إسرائيل ، ضمن رؤية ترى أن الاستقرار الإقليمي لا يولد من الصراع الدائم ، بل من القدرة على بناء الشراكات .
بفضل هذا النهج تحولت الإمارات إلى مركز اقتصادي ومالي وسياحي عالمي بارز ، وإلى وجهة رئيسية للاستثمار والعمل ، وإلى نقطة التقاء بين القارات والثقافات .
في المقابل ، تبدو تجربة النظام الإيراني منذ عام 1979 قد سلكت مسارا مختلفا تماما . فعلى مدى سبعة وأربعين عاما انشغل النظام بتصدير الثورة وبناء النفوذ الإقليمي و توسيعه أكثر مما انشغل بتحسين شروط الحياة داخل إيران نفسها .
وبدلا من توجيه الموارد نحو التنمية الداخلية ، تم استثمار جزء كبير منها في بناء شبكات نفوذ عبر جماعات مسلحة في المنطقة : من حزب الله في لبنان ، إلى حماس في غزة ، إلى الحوثيين في اليمن ، مرورا بفصائل مسلحة في العراق وسوريا .
وفي مرحلة معينة ، قبل التحولات الإقليمية التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر ، كان تمدّد النفوذ الإيراني بارزا في أربع عواصم عربية على الأقل : بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء .
غير أن المفارقة الأكثر دلالة أن آلاف الإيرانيين أنفسهم اختاروا العيش في الإمارات بحثا عن فضاء ارحب للحياة و للعمل .
هذه المفارقة تكشف الفارق العميق بين التجربتين : فالإمارات توفر بيئة اقتصادية منفتحة وفرصا واسعة للنجاح والاستقرار ، وهو ما جعلها محطة جذب لملايين المقيمين ، من بينهم الإيرانيون الذين وجدوا فيها مجالا للحياة والعمل بعيدا عن القيود ، بينما ايران عام مغلق تحكمه عقيدة و نظرية ولاية الفقية لا مكان لاي نفس حرية او تحرر فيها .
واللافت أن إيران نفسها بلد غني بالجمال الطبيعي والتنوع الجغرافي .
فهي أرض تمتد سواحلها على بحار واسعة ، وترتفع فيها جبال شاهقة ، وتنتشر فيها السهول الخضراء والمنتجعات الطبيعية ، بل وحتى مناطق الثلوج التي تمنحها تنوعا مناخيا نادرا في المنطقة .
إنها بلاد ذات حضارة عريقة و إمكانات هائلة كان يمكن أن تجعلها واحدة من أهم مراكز الازدهار و التطور في الشرق الأوسط .
لكن القيود السياسية والاجتماعية التي فرضها النظام خلال العقود الماضية جعلت كثيرا من الإيرانيين انفسهم يشعرون بضيق متزايد داخل بلدهم ، خاصة مع القيود الصارمة المفروضة على الحياة العامة وعلى النساء بشكل خاص . ولهذا لم يكن مستغربا أن يبحث عدد متزايد منهم عن فضاءات أخرى يحققون فيها طموحاتهم المهنية والإنسانية .
من هنا يمكن فهم دلالة استهداف الإمارات في سياق هذه الحرب .
فالصواريخ التي تتجه نحوها لا تعكس فقط حسابات عسكرية ، بل تكشف أيضا عن صدام أعمق بين نموذجين مختلفين في تصور الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط : نموذج يراهن على التنمية والانفتاح والتعايش ، ويؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعلم والاقتصاد والإنسان …
ونموذج آخر ظلّ لسنوات طويلة أسير فكرة الثورة الدائمة وتوسيع النفوذ عبر الصراعات .
إنه، في عمقه و جوهره، صراع بين رؤيتين للمنطقة : رؤية تصنع الحياة وتفتح أبواب الأمل ، ورؤية أخرى تُبقي المجتمعات أسيرة العنف والاضطراب و التخلف .



