بقلم – ابوبكر الصغير .
قال ذلك العظيم ، بونابرت في يوم ما : “ أخشى ثلاث جرائد أكثر من خشيتي لمائة ألف حربة ”…
انها عبارة تختزل بعمق خطورة الكلمة حين تتحول إلى سلطة ، حين تصبح الصحافة ضميرا يقظا لا ينام .
بعد عقود ، جاء البير كامي ليعرّف الصحفي ببساطة جارحة : “ إنه شخص مفروض أن تكون له أفكار” نعم افكار … و كأن أزمة الصحافة تبدأ حين تتخلى عن هذا الشرط الأول : الفكرة .
هذا يدفعنا إلى طرح السؤال الحارق ، المؤلم : من هو الصحفي حقا اليوم ؟ .
هل لاتزال الصحيفة “ جزءا من وجودنا ، من حياتنا ” ، كما قيل ذات يوم ، أم أنها تحولت إلى عبء ثقيل في زمن العالم الرقمي و الملتيميديا و وسائط التواصل الاجتماعي ؟ .
هناك حقيقة ، ثابتة ، انه لا يمكن إنكار أن الصحافة المكتوبة ، في تونس كما في العالم ، تعيش واحدة من أعقد أزماتها التاريخية . أزمة متعددة الأبعاد : اقتصادية ، مهنية ، وتكنولوجية .
ازمة تهدد وجودها و استمرارها .
هناك تراجع كبير في الإشهار ، تقلص شبكات التوزيع ، ارتفاع كبير في كلفة الورق و أدوات الطباعة ، و الاخطر هجرة القراء خاصة الشباب نحو المنصات الرقمية …
كلها عوامل جعلت من الجريدة الورقية مشروعا هشا ، مهددا في كل لحظة بالإفلاس .
لكن رغم ذلك ، و هنا يجب كسر هذا التعميم السائد ، فإنّ ما يروّج له البعض من أن الصحافة المكتوبة انتهت أو تحتضر في كل مكان من العالم ، هو قول يحتاج إلى كثير من التدقيق .
ففي أوروبا ، وعلى خلاف هذا التصور ، لا تزال الصحافة الورقية حيّة، بل و مزدهرة نسبيا .
شاهدت ذلك و عايشته بنفسي ، في فيينا و روما و باريس و لندن .. كيف؟ .
ببساطة لأن الدولة هناك لم تتخلّ عنها .
في فرنسا مثلا ، اكتفي بهذا المثال ، تُعتبر الصحافة المكتوبة مرفقا عاما غير معلن . تدعمها الدولة بقوة و بشكل مباشر وغير مباشر : إعانات مالية ضخمة ، تخفيضات ضريبية ، دعم لوجستي للتوزيع ( مجانية نقل الصحف حتى في الطائرات ) ، اشتراكات بعشرات الالاف من النسخ ، لكل العناوين بغض الطرف عن توجهاتها او طبيعتها او اصحابها ، المهم ان تكون صحيفة او عنوانا مكتوبا ، بل وحتى ان الحكومة لا تتردد في تقديم مساعدات خاصة للصحف التي تعاني صعوبات او مهددة في مصيرها .
الهدف واضح : حماية التعددية الإعلامية ، ضمان استمرار صوت الصحافة المكتوبة كركيزة من ركائز الديمقراطية .
أما عندنا في تونس ، فالوضع مختلف تماما .
الصحافة المكتوبة تُترك لتصارع مصيرها وحدها ، في سوق هشة و ضعيفة ، وبيئة إشهارية محدودة جدا و شحيحة ، دون سياسات عمومية واضحة تنقذ القطاع أو تعيد هيكلته .
النتيجة : عشرات العناوين غابت ، مؤسسات إعلامية تغلق أبوابها ، صحفيون يفقدون وظائفهم ، محتوى يتراجع تحت ضغط البقاء .
لكن في النهاية ، يبقى السؤال الحقيقي ، ليس : هل تموت الصحافة المكتوبة ؟ .
بل : لماذا تموت عندنا وتعيش عند غيرنا ؟ .
الإجابة تكمن في غياب الرؤية.
في أوروبا ، هناك إيمان بأن الصحافة ليست مجرد صناعة ، بل هي خدمة عمومية .
أما في تونس، فلا تزال تُعامل الصحافة كقطاع تجاري عادي لا يختلف عن اي قطاع آخر ، يخضع فقط لمنطق الربح والخسارة ، في حين أن دورها يتجاوز ذلك بكثير .
ان الصحيفة ليست مجرد ورق يُطبع ويُباع ، بل هي ذاكرة مجتمع ، وسجل يومي لتاريخه ، ومنبر للنقاش العام .
فحين تسقط الصحف ، لا نخسر فقط مؤسسات ، بل نخسر جزءا من وعينا الجماعي .
تمنّينا، بمناسبة الثالث من ماي ( اليوم العالمي لحرية الصحافة ) ، أن تبادر النقابات أو الهياكل المهنية أو حتى السلطات العمومية ، إلى تنظيم ندوة وطنية جادة تطرح هذه الأسئلة المصيرية :
ما مستقبل الصحافة المكتوبة في تونس ؟
كيف يمكن إنقاذها؟
وما هو دور الدولة في ذلك؟.
لكن ، وكما يقول المثل الشعبي : “ كل فول لاهي فِي نوارو ”… انشغل الجميع ، وغاب النقاش ، وكأن الأزمة لا تعني أحدا في نهاية الأمر .
ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون مقاربة هذه الأزمة سوداوية بالكامل . فالصحافة المكتوبة قادرة على التكيّف ، إذا توفرت الإرادة حقا . يمكن تطوير نماذج اقتصادية جديدة ، الدمج بين الورقي والرقمي ، الاستثمار في الصحافة الاستقصائية والمحتوى العميق الذي لا توفره وسائل التواصل السريعة .
لكن كل ذلك يظلّ ناقصا دون دعم حقيقي من الدولة ، ودون وعي جماعي بأن إنقاذ الصحافة ليس ترفا ، بل ضرورة ديمقراطية .
في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي قالها نابليون صالحة إلى اليوم : الجريدة ، حين تكون حرة وذكية ، أخطر من كلّ الجيوش .
فهل نتركها تموت؟ .
أم نعيد لها مكانتها كآية هذا الزمان !؟.

