تونس 32°C

2 جوان 2026

تونس 38°C

2 جوان 2026

الخليج الذي أخطأت إيران في قراءته !.

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

يبقى سؤال يفرض نفسه بإلحاح كلما تكشفت خيوط جديدة من شبكات التجسس أو محاولات الاختراق أو مشاريع النفوذ المرتبطة بإيران في المنطقة العربية : لماذا استصغرت إيران دول الخليج ؟ ولماذا أصرت ، لعقود طويلة ، على النظر إلى هذه المنطقة بوصفها مساحة قابلة للاختراق أكثر من كونها شريكا إقليميا متكافئا ؟ .
لقد بدا وكأن جزءا من العقل السياسي الإيراني ظل أسيرا لتصورات قديمة تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة تماما عن واقع اليوم . تصور يرى منطقة الخليج مجرد ثروة هائلة محاطة بهشاشة سياسية وأمنية ، ومنطقة يمكن التأثير فيها عبر إدارة الأزمات ، وإثارة المخاوف ، وبناء شبكات النفوذ ، وتوسيع دوائر الاشتباك غير المباشر .
ربما لهذا السبب استثمرت طهران ، عبر سنوات طويلة ، في أدوات الضغط أكثر مما استثمرت في بناء الثقة ، وفي صناعة التوتر أكثر مما استثمرت في صناعة الشراكات ، وفي اختراق المجتمعات أكثر مما استثمرت في احترام سيادة الدول .
لكن المثير للاستغراب أن هذه النظرة لم تتغير كثيرا حتى بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين .
فإيران التي كانت تنظر إلى الخليج بعين الأمس ، لم تنتبه بما يكفي إلى أن الخليج نفسه لم يعد ذلك الخليج الذي عرفته المنطقة قبل نصف قرن .
لم تعد دول الخليج مجرد دول نفطية تعتمد على ثرواتها الطبيعية، بل تحولت إلى مراكز اقتصادية عالمية قوية ، وعواصم للاستثمار والتكنولوجيا والابتكار والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والسياحة الدولية .
وأصبحت تمتلك مؤسسات دولة حديثة ، وأجهزة أمنية متطورة ، وقدرات استخباراتية متقدمة جدا ، وشبكات علاقات دولية واسعة تجعل من الصعب التعامل معها بالعقلية القديمة نفسها .
لقد تغير الخليج بينما ظلت بعض الحسابات الإيرانية أسيرة الماضي .
فالرياض و أبوظبي و الدوحة و الكويت و المنامة ومسقط لم تعد عواصم هامشية تنتظر ما يجري حولها ، بل أصبحت مراكز قرار إقليمية ودولية مؤثرة في ملفات الاقتصاد والطاقة والأمن والاستقرار العالمي .
وأصبحت قادرة على صياغة مبادراتها الخاصة ورسم أولوياتها الاستراتيجية بعيدا عن منطق التبعية أو الارتهان .
لعل الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه بعض دوائر التفكير في طهران هو اعتقادها أن النفوذ يمكن أن يحل محل الاحترام ، وأن الخوف يمكن أن يكون بديلا عن الشراكة ، وأن زرع الخلايا والشبكات يمكن أن يحقق ما تعجز عنه الديبلوماسية والعلاقات الطبيعية بين الدول .
لكن التجارب أثبتت العكس. فالدول لا تُكسب بالاختراق ، بل بالثقة .
و الشعوب لا تُحتوى بالخوف ، بل بالاحترام. والجوار لا يُبنى على التوجس الدائم ، بل على المصالح المتبادلة والاعتراف المتكافئ .
لقد كان بإمكان إيران أن تنظر إلى الخليج باعتباره أحد أهم شركائها الطبيعيين في المنطقة ، وأن تبني معه نموذجا للتعاون والتنمية والاستقرار المشترك .
لكنها اختارت ، في كثير من الأحيان ، أن تنظر إليه من زاوية النفوذ والاختراق وموازين القوة فقط .
واليوم يبدو واضحا أن هذا التصور يواجه اختبارا قاسيا أمام واقع جديد .
واقع خليجي أكثر قوة وثقة بنفسه ، وأكثر قدرة على حماية مصالحه ، وأكثر حضورا في صناعة التوازنات الإقليمية والدولية . خليج لم يعد مجرد ساحة تتنافس عليها القوى ، بل أصبح لاعبا دوليا مؤثرا في تحديد اتجاهات المنطقة ومستقبلها .
لهذا ربما لم تعد القضية اليوم في ما إذا كانت إيران قادرة على فهم الخليج ، بل في ما إذا كانت مستعدة للتخلي عن الصور القديمة التي رسمتها له في مخيلتها السياسية .
فالخليج الذي كانت تعرفه قبل عقود لم يعد موجودا .
أما الخليج الذي يقف اليوم على ضفاف القرن الحادي والعشرين ، فهو خليج مختلف تماما … خليج يصنع مستقبله بنفسه ، ويكتب معادلاته بنفسه، ويثبت كل يوم أن زمن الاستصغار انتهى إلى غير رجعة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية