تونس 16°C

19 فيفري 2026

تونس 38°C

19 فيفري 2026

الإعلام الفرنسي خارج التاريخ : حين تُعاد شرعنة الشاه و يُمحى المجتمع الإيراني .

بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في اللحظات التاريخية الفاصلة ، لا يكون الإعلام مجرّد ناقل محايد للأحداث ، بل يتحوّل إلى فاعل سياسي كامل الأوصاف : يختار الزوايا ، يحدّد الأولويات ، يمنح الشرعية ، ويصادر أحياناً أصواتا بأكملها .
هذا تماما ما يفعله جزء واسع من الإعلام الفرنسي اليوم في مقاربته لما يجري في إيران ، إذ اختار، بوعي أو بغير وعي ، اختزال شعب كامل ، وتاريخ معقّد ، وحراك اجتماعي شديد التنوّع ، في شخص واحد : رضا بهلوي.
منذ تصاعد موجات الاحتجاج داخل إيران ، وما رافقها من قمع دموي ، وقطع للاتصالات ، وسقوط ضحايا دز، لم ينصرف الاهتمام الإعلامي الفرنسي بالقدر الكافي إلى تفكيك طبيعة هذا الحراك ، ولا إلى تحليل تركيبته الاجتماعية ، ولا إلى إبراز فاعليه الحقيقيين ومطالبه المتعدّدة .
وبدلا من ذلك ، جرى تسويق سردية جاهزة تبحث عن ” بديل ” للنظام الإسلامي ، وكأنّ مصير إيران لا يمكن تخيّله إلا عبر فرد ، أو من خلال نموذج سياسي مُسبق الصنع يطمئن المخيال الغربي أكثر مما يعكس الواقع الإيراني .
في هذا الإطار ، قُدّم رضا بهلوي، نجل الشاه السابق ، بوصفه الخيار ” الطبيعي ” و ” الآمن ” ، بل كأنه الخيار الوحيد الممكن .
هذا التركيز المفرط لا يعبّر فقط عن كسل تحليلي فاضح ، بل ينطوي على مصادرة صريحة لحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره بنفسه .
فالإعلام، حين يمنح منصة شبه حصرية لشخصية بعينها ويتجاهل بقية الفاعلين ، لا يصف الواقع ، بل يعيد تشكيله رمزيا وسياسيا ، ويفرض عليه أفقا ضيّقا .
الأخطر في هذا التوجّه أنّه يعيد إنتاج منطق تاريخي مألوف في العلاقة الفرنسية – الإيرانية : من نوفل لو شاتو إلى اليوم ، البحث الدائم عن ” رجل المرحلة ” بدلا من الإنصات إلى المجتمعات .
وكما ساهمت فرنسا ، عبر إعلامها ومنابرها ، في تقديم صورة مطمئنة لآية الله الخميني قبيل 1979، فإنها اليوم تكرّر الخطأ نفسه ، ولكن بوجهٍ آخر. تغيّر السياق، لكن الذهنية بقيت أسيرة وهم الوصيّ الخارجي على تحوّلات الداخل .
الواقع أنّ المجتمع الإيراني ، كما تكشفه الوقائع على الأرض ، ليس كتلة صمّاء تبحث عن ملكٍ منفيّ ليقودها .
هو مجتمع متعدّد ، مركّب ، يخوض صراعات اجتماعية واقتصادية وقومية عميقة .
النساء في طليعة المواجهة ، الشباب في قلب الاحتجاج ، العمّال في خطوط الصراع الاجتماعي ، والأقليات القومية – من أكراد وبلوش وعرب وآذريين – يدفعون أثمانا باهظة في معركة الكرامة والحقوق .
ومع ذلك، يكاد هؤلاء جميعا يغيبون عن المشهد الإعلامي الفرنسي، لأنهم لا ينسجمون مع سردية ” البديل الجاهز ” .
إن تقديم رضا بهلوي كرمز جامع يتجاهل حقيقة أساسية : الرجل لم يقدّم إلى اليوم مراجعة نقدية جادّة لإرث والده ، ولم يطرح رؤية واضحة تضمن التعدّدية السياسية والثقافية ، ولم يبعث رسائل طمأنة حقيقية إلى الفاعلين داخل إيران ، وخصوصاً الأقليات التي عانت طويلاً من المركزية والإقصاء. بل إن خطاباته ووثائقه المتعلقة بـ ” المرحلة الانتقالية ” تكشف ميلا واضحا إلى إعادة تركيز السلطة، لا إلى تفكيكها ديمقراطياً.
بهذا المعنى، لا يكون الإعلام الفرنسي محايدا حين يضخّم حضور شخصية واحدة ، بل يصبح شريكا في إقصاء أصوات أخرى ، وفي فرض أفق سياسي ضيّق على شعب يخوض واحدة من أعقد معاركه التاريخية .
فحق تقرير المصير لا يختزل في إسقاط نظام ، بل يعني أيضا حرية اختيار البدائل ، وفتح المجال أمام تعدّد المشاريع والرؤى ، لا إعادة تدوير الماضي تحت عناوين جديدة .
انّ مسؤولية الإعلام ، ولا سيما في الدول التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية ، لا تكمن في صناعة الزعماء ، بل في كشف الواقع بكل تناقضاته ، وإعطاء الكلمة لمن هم في قلب الحدث ، لا لمن يتقنون مخاطبة الغرب بلغته .
إيران اليوم لا تحتاج إلى ” منقذ ” يُسوَّق من الخارج ، بل إلى اعتراف حقيقي بتعقيد مجتمعها ، وبحق أبنائها ، بكل أطيافهم، في رسم مستقبلهم بأيديهم .

اقرأ أيضاً

1 Comment

  • تشخيص معقول للإعلام الفرنسي ربما ينطبق على الإعلام الغربي

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية