بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن تراجع واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية لإيران تفصيلا عابرا في مشهد متوتر، ولا مجرّد انعكاس لتقلّبات رئيس اعتاد المفاجآت ، بل كان نتيجة مباشرة لتحرّك عربي خليجي محسوب ، أدرك مبكراً أن أي انزلاق عسكري جديد قد يفتح أبواب جحيم إقليمي يصعب إغلاقها .
ففي لحظة بدت فيها المنطقة على حافة مواجهة شاملة ، تقدّمت الدبلوماسية على منطق القوّة ، ونجحت ، ولو مؤقتا ، في تعطيل ساعة الحرب .
الموقف الأميركي المعلن، والقائل إن الرئيس دونالد ترامب ” لا ينوي مهاجمة إيران ” ، لا يمكن عزله عن حملة ضغط سياسية هادئة قادتها السعودية وقطر و سلطنة عُمان ومصر، انطلاقا من قناعة مشتركة بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مغامرات عسكرية إضافية ، ولا صدمات أمنية واقتصادية جديدة .
هذه الدول لا تدافع عن إيران بقدر ما تدافع عن استقرار الإقليم ، وعن مصالح شعوبها ، وعن توازن هش قد ينهار مع أول صاروخ طائش.
اللافت في هذا المشهد أن دول الخليج ، التي طالما وُضعت في موقع الساحات المفتوحة للصراع أو الأطراف المنخرطة فيه ، اختارت هذه المرة أن تؤدي دور خط الدفاع السياسي ضد التصعيد . الرسالة التي نُقلت إلى واشنطن كانت واضحة وصريحة : أي ضربة لإيران لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي ، ولن تكون ” نوعية ” كما يُسوَّق لها البعض ، بل ستتمدد لتطال القواعد الأميركية ، ومنشآت الطاقة ، وسلاسل الإمداد العالمية ، مع كلفة مباشرة على الاقتصاد الدولي ، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي ذاته .
غير أن هذا الاختراق الدبلوماسي لا يُخفي التناقض البنيوي في السلوك الأميركي .
ففي الوقت الذي يبعث فيه ترامب برسائل تهدئة إلى طهران ، ويؤكد عدم رغبته في الحرب ، تواصل إدارته توسيع سياسة ” الضغط الأقصى ” ، عبر فرض عقوبات جديدة واستهداف مسؤولين وشبكات مالية إيرانية .
هنا تتجسد الازدواجية الأميركية التقليدية : خطاب تهدئة في العلن ، وأدوات تصعيد على الأرض.
هذا التناقض لا يبعث برسائل طمأنة حقيقية ، لا إلى إيران ولا إلى دول المنطقة .
فالتجربة الإيرانية مع واشنطن علمتها أن وعود ” عدم الرغبة في الحرب ” كثيرا ما سبقتها ضربات مفاجئة ، وأن التهدئة اللفظية لا تعني بالضرورة تغييرا في النوايا الاستراتيجية . لذلك، فإن خفض مستوى التأهب في قاعدة العديد وإعادة انتشار الطائرات الأميركية لا يمكن قراءته إلا كتعليق مؤقت للخطر، لا كإلغائه .
في العمق، يكشف هذا المشهد عن تحوّل لافت في دور دول الخليج : من موقع المتلقي لارتدادات الصراعات ، إلى فاعل يسعى لإدارة المخاطر ومنع الانفجار.
هذا التحوّل لا تحرّكه مثالية سياسية ، بل براغماتية صلبة : فاستقرار الإقليم بات شرطا أساسيا للاستثمار والتنمية وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية ، وهي معادلة تدركها العواصم الخليجية اليوم بوضوح غير مسبوق .
أما إيران، فهي تقف أمام اختبار مزدوج : اختبار ضبط النفس في الخارج، واختبار إدارة أزمتها في الداخل .
فالقمع، مهما بلغ من الشدة ، لا يصنع استقراراً دائما ، ولا يمكن تسويغه إلى ما لا نهاية بخطاب السيادة والمؤامرة .
وفي المقابل، لا تستطيع واشنطن الادعاء بدعم ” حرية الشعب الإيراني ” بينما تستخدم العقوبات كسلاح جماعي يفاقم معاناة هذا الشعب نفسه.
الخلاصة أن المنطقة تعيش هدنة هشّة ، صنعتها الدبلوماسية لا الثقة، وفرضتها المخاوف لا التفاهمات .
وما لم يُترجم هذا التراجع عن الحرب إلى مسار سياسي حقيقي ومستدام ، فإن شبح المواجهة سيبقى ماثلا في الأفق، مؤجَّلا لا مُلغى، بانتظار لحظة اختلال جديدة في ميزان الحسابات.



