بقلم : أ . حذامي محجوب .
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم تكن الغارات الإسرائيلية على إيران بين 13 و24 يونيو مجرّد عمليات عسكرية ظرفية، بل مؤشرا على تحوّل إستراتيجي عميق.
إذ تسعى تل أبيب إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي عبر مشروع بعيد المدى للهيمنة، يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة نحو هندسة سياسية جديدة للمنطقة.
تكشف الضربات الأخيرة، التي استهدفت الحرس الثوري الإيراني في سوريا، وتبعتها عمليات موجهة ضد حزب الله في لبنان، أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالدفاع عن نفسها، بل تتحرّك باتجاه تفكيك البنية الإقليمية التي شيّدتها إيران على مدى عقود.
ويبدو أن محدودية أثر الهجمات الإيرانية على إسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024 شجّعت تل أبيب على رفع سقف أهدافها، وصولاً إلى التلويح بتغيير النظام الإيراني نفسه.
لكن ما فاجأ المراقبين لم يكن نجاح العمليات الإسرائيلية بحد ذاته، بل ضعف الرد الإيراني.
فرغم التصعيد اللفظي من حزب الله والإعلانات المتكررة عن جهوزيته العسكرية، فإن الواقع أظهر أن إسرائيل كانت تستعد لهذا النوع من المواجهة منذ نهاية حرب 2006.
فمنذ ذلك التاريخ، صعّد جهاز الموساد من اختراقاته داخل إيران، بالتوازي مع تكثيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي أضعفت النظام من الداخل.
ساهمت الأزمات الاقتصادية، وتباطؤ النمو، وتفشي التضخم، إضافة إلى الانفصال المتزايد بين النظام الإيراني وقطاع واسع من المجتمع الشاب والمتعلّم، في تعرية شرعية النظام. وكانت احتجاجات النساء في 2022 ضد فرض الحجاب محطة مفصلية، كشفت عمق التصدع الداخلي.
في هذا السياق، تتصرّف إسرائيل كـ ” أسبرطة ” حديثة : دولة شديدة التسلّح، ترى في التوتر والحرب أدوات لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
غير أن هذه المقاربة لا تخلو من مفارقات. إذ تعاني إسرائيل نفسها من تصدّعات داخلية: انقسامات سياسية حادّة، جروح نفسية غائرة منذ هجوم 7 أكتوبر، وتنامٍ في الهجرة يعكس اهتزازا اجتماعياً واقتصاديا قد يهدد تماسكها على المدى البعيد.
ورغم ما تحقّق من إنجازات عسكرية، لم ينجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تحويلها إلى مكاسب إستراتيجية دائمة.
فلا الحسم مع حماس تحقق، ولا الضربات لحزب الله أفضت إلى معادلة ردع مستقرة، ولا الضغط على إيران أفضى إلى تحولات سياسية نوعية.
اليوم، تدفع إسرائيل باتجاه تكريس أمر واقع جديد في لبنان وسوريا، يمنع قيام دولتين قويتين على حدودها.
ففي الجولان، تسعى لتثبيت احتلالها، بينما تفرض ” خطوطا حمراء ” في الجنوب السوري . أما في لبنان، فتعارض أي مساعدات غربية قد تسهم في تعافي الدولة، بهدف إبقاء حزب الله محاصرا في بيئة منهكة.
المفارقة أن إضعاف الدول قد يفتح الباب لعودة الميليشيات، ما يعمّق التهديد الأمني ذاته الذي تسعى إسرائيل لتحييده.
في المقابل، تبرز السعودية كلاعب إقليمي يتبنّى مقاربة مختلفة تقوم على تحقيق التوازن لا الهيمنة.
فعلى الرغم من أن الرياض ترى في تراجع نفوذ إيران، وانحسار دور الأسد، وضعف حزب الله وحماس فرصًا تعزّز موقعها، فإنها ترفض أن تتحمّل وحدها كلفة إعادة الإعمار في لبنان وسوريا، خاصة في ظل تفشّي الفساد وضغوط الداخل لإنجاح مشاريع التحول الاقتصادي الوطني.
وفي الوقت الذي تسعى فيه السعودية إلى تطبيع محسوب مع إسرائيل، فإنها تشترط أن يُرفق هذا المسار بأفق سياسي حقيقي للفلسطينيين. فالقضية الفلسطينية، رغم التغيرات الجيو سياسية، لا تزال حاضرة في الوعي الشعبي السعودي، لاسيما في أوساط الشباب الذين تأثروا عاطفيا وسياسيا بمشاهد غزة.
الاختلاف الجوهري بين الرؤية السعودية ونظيرتها الإسرائيلية يتمثل في الموقف من النظام الإيراني. فبينما تدفع تل أبيب باتجاه تغييره ولو عبر حرب أهلية، ترى الرياض أن انفجار الداخل الإيراني سيهدد استقرار الخليج بأكمله. كما أنها لا ترغب في صعود نماذج سياسية دينية جديدة قد تنشأ من فوضى داخلية إيرانية، وهو موقف يتقاطع مع رؤية أبو ظبي وغيرها.
أما في سوريا، فتفضّل السعودية قيام دولة مركزية قوية، بعيدة عن النفوذين الإيراني والتركي.
ولهذا، فإن تنسيقها مع أنقرة يبقى ظرفيا ومحدودا بما تقتضيه المصلحة المشتركة، لا أكثر.
ورغم انشغال الرياض بأجندتها التنموية الطموحة، فإنها لا تستطيع تجاوز القضية الفلسطينية بالكامل. فهي من جهة تسعى إلى دعم الاعتراف بدولة فلسطينية حتى ولو بقيت التفاصيل غامضة، ومن جهة أخرى تحرص على عدم التورط في مشهد إقليمي مفخّخ لا يضمن لها عوائد سياسية واقتصادية مباشرة.
وفي ظل تعنّت الحكومة الإسرائيلية ورفضها لأي حل سياسي حقيقي للفلسطينيين، يبقى مسار التطبيع الشامل مع السعودية رهينة هذا الجمود.
فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تزال عاجزة عن ترجمة القوة إلى استقرار دائم. أما السعودية، فهي تمارس نوعا من الواقعية المحسوبة ، حيث تنخرط في تحولات المنطقة ما دامت لا تُطلب منها تضحيات أحادية، ولا تُفرض عليها تنازلات تتعارض مع ثوابتها السياسية والرمزية.
هكذا، يبقى الشرق الأوسط في مرحلة انتقالية هشة. فلا هو بلغ الاستقرار، ولا انفجر بالكامل. ومع اشتداد التنافس بين مقاربات الهيمنة ومشاريع التوازن، تبقى نهاية هذه المرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة : من إعادة إنتاج منظومات استقرار جديدة… إلى موجة انفجارات قادمة، قد تكون أكثر خطورة وتعقيدا من كل ما سبق.


