بقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق المنتدى السعودي للإعلام ، لكن المسافة الفعلية التي قطعها هذا الحدث تتجاوز بكثير حساب الزمن .
لم يعد المنتدى موعدا عابرا في روزنامة المؤتمرات ، بل تحوّل إلى علامة فارقة في مسار إعلامي جديد ، يُبنى بتأنّ ، وتُرسم ملامحه بوعي ، ويُدار بمنطق يتقدّم على الحدث ولا يكتفي بملاحقته .
إنه انتظار لا تصنعه العادة ، بل تراكُم الدلالة.
انتظار نابع من منصة أدركت مبكرًا أن التحولات الكبرى في الإعلام لا تُواكَب فقط ، بل تحتاج من يقرأ اتجاهها ، ويمسك بخيوطها ، ويعيد صياغة قواعدها قبل أن تفرض نفسها.
في زمن لم يعد فيه الإعلام ناقلا محايدا للوقائع ، بل منتِجا للمعنى وصانعا للأثر، يأتي المنتدى السعودي للإعلام ليؤكد أن المملكة لا تقف عند حدود الرصد أو التفاعل ، بل تمارس فعل الفهم العميق ، وتدخل بثقة إلى مجال التأثير الواعي .
هنا، تتحول الكلمة من مجرد أداة تداول إلى فعل حضور، ومن خبر عابر إلى لبنة في بناء الصورة السعودية داخل الفضاءين الإقليمي والدولي .
المنتدى، المنعقد من 2 إلى 4 فبراير، لا ينشغل بأسئلة المهنة التقنية بقدر ما يتوغّل في جوهرها :
كيف تُصاغ السرديات؟-
كيف تستقر الصور في الوعي الجمعي؟.-
-وكيف يُدار المعنى في فضاء إعلامي مفتوح، سريع الإيقاع، شديد الحساسية؟
بهذا المعنى، يُستعاد الإعلام كفعل فكري ومسؤولية أخلاقية ، لا كسباق محموم على السبق ، ولا كضجيج رقمي عابر . فالمنتدى لا يقدّم خطابا احتفاليا ، ولا يراهن على الإبهار المؤقت ، بل يفتح مساحة هادئة لاختبار الأفكار ، ووزن الروايات ، وإعادة الاعتبار للإعلام بوصفه مساحة للفهم والتفسير ، لا مجرد مرآة سريعة للأحداث .
من هذا المنطلق، يرسّخ المنتدى مقاربة ترى في الإعلام عنصر توازن ، ودورًا محوريًا في تقديم صورة دقيقة وغير اختزالية عن الدول وأدوارها ، بعيدا عن التبسيط أو التنميط .
لا يمكن فصل هذا الدور عن السياق الأوسع لرؤية السعودية 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، حيث لم يعد الإعلام خيارا مهنيا فحسب ، بل رافدا استراتيجيا في بناء المستقبل .
ففي هذه الرؤية، يُنظر إلى الإعلام كأداة لتعزيز الهوية ، وترسيخ الانفتاح ، وتوسيع دوائر التواصل والشفافية ، ونقل الصورة الحقيقية للمملكة إلى العالم .
من هنا، يتجاوز المنتدى حدوده المحلية ليأخذ بعدا إقليميا ودوليا ، فلا يكتفي بصياغة سرد إعلامي سعودي ، بل يساهم في إعادة رسم صورة المنطقة في الفضاء الإعلامي العالمي ، بما ينسجم مع التوجهات القيادية والمصالح الوطنية. تتجلى قوة المنتدى كذلك في جمعه نخبا إعلامية محلية ودولية وازنة ، تمتلك الخبرة والتأثير، وتدرك أن مستقبل الإعلام لا يصاغ بسرعة النشر، بل بعمق التحليل ، ونزاهة السرد ، واحترام عقل المتلقي .
وفي هذا الإطار، لا يكتفي المنتدى بعرض الأفكار، بل يتحوّل إلى منصة حوار حقيقي ، تتقاطع فيها التجارب وتُختبر فيها الرؤى ، حيث تُفكك الصورة قبل أن تستقر، وتُمحّص الرواية قبل أن تتحول إلى مسلّمة.
بهذا المعنى ، لا يقدّم المنتدى السعودي للإعلام نفسه كموعد يُستوفى بالحضور، بل كمساحة يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الكلمة وأثرها.
إنه منتدى لا يُنتظر ليُشاهد ، بل ليُتابع … لأن ما يُصاغ فيه لا ينتهي بانتهاء جلساته ، بل يظل مفتوحا على وعيٍ يتشكّل ، وحضور يُبنى، ومسار إعلامي تُدار ملامحه بكلّ ثقة وهدوء .

